وهران هي واحدة من أكبر المدن الجزائرية، وتقع في شمال غرب البلاد على ساحل البحر الأبيض المتوسط. تعتبر وهران مركزاً اقتصادياً وثقافياً هاماً، ولها تاريخ طويل يمتد لقرون. تأسست المدينة في القرن العاشر الميلادي من قبل البحارة الأندلسيين، ومرت عبر العصور بعدة مراحل من الاحتلال والسيطرة من قبل قوى مختلفة مثل الإسبان، الأتراك، والفرنسيين، مما أثر بشكل كبير على تراثها المعماري والثقافي.
تشتهر وهران بمعالمها التاريخية مثل حصن سانتا كروز، وهو معلم بارز يطل على المدينة، وكنيسة سانت لويس التي تعود إلى الفترة الاستعمارية الفرنسية. كما تُعد وهران مركزاً للموسيقى الأندلسية وموسيقى الراي.
إضافة إلى تاريخها الغني، تتميز وهران اليوم بكونها مدينة حديثة ذات بنية تحتية متطورة، مع ميناء يعد من أهم الموانئ في الجزائر. المدينة معروفة أيضاً بأجوائها الحيوية، وخصوصاً في أماكن مثل منطقة حي "لاكوريدا"، التي تُعد مركزاً ثقافياً وتجاريًا هامًا.
حلبة مصارعة الثيران "لاكوريدا"
تردد حي "الطورو" كثيرًا على ألسنة سكان مدينة وهران، أو "طوريرو وهران" كما يسمّى محليًا، وهي كلمة تعني الثور باللغة الفرنسية، ويُنسب هذا الحي إلى البناية التاريخية "لا كوريدا" أو حلبة مصارعة الثيران التي بنيت بطلب من الإسبانيين الذين كانوا يقيمون بالمدينة في تلك الفترة، ورغم أن الشارع رسميًا يحمل تسمية حي الأمير خالد إلى أن الذاكرة الشعبية لا زالت تحتفظ بالتسمية وقصصًا أخرى عن المكان.
تعتبر "لا كوريدا" حلبة الثيران الوحيدة الموجودة حاليًا على التراب الجزائري، وهي أيضًا إحدى الحلبتين الموجودتين في القارة الأفريقية إلى جانب حلبة طنجة في المغرب.
الوجود الإسباني في وهران
تُعَدُّ البهيّةُ وهران ثاني أهم المدن الساحلية في البلاد بعد العاصمة الجزائرية، وتتميز هذه الجوهرة التي تزين الساحل الغربي بتاريخ حافل يظهر جليًا على معالمها التاريخية والأثرية، فلطالما كانت هذه المدينة مقصدًا عبر التاريخ للغزاة بسبب موقعها الاستراتيجي الجميل المطل على البحر الأبيض المتوسط، كما أنها عايشت العديد من الغزوات على غرار عدة مناطق جزائرية، لكن أهم هذه الغزوات على الإطلاق كان الغزو الإسباني (1492- 1792)، والذي استمر وجوده في هذه المدينة لوحدها مدة ثلاثة قرون، حيث طاب له الوجود والإقامة والاستمتاع بما تتمتع به هذه المدينة.
نشأة "لا كوريدا"
خلال سنة 1830، دخل الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر، ومع ذلك، بقي هنالك وجود مهم للجالية الإسبانية، حيث كانت حاضرة بقوة في المدينة بنسبة تفوقت على مثيلتها من الجالية الفرنسية بحوالي الضعف، وقد تجلى هذا الوجود بوضوح وبشكلٍ خاص في التأثير الثقافي الذي نشرته بين سكان المدينة، فأدخلوا إضافات عديدة على فن الطبخ وعلى نوعية الموسيقى التي انتشرت بين السكان المحليين، إضافة إلى مساهمة هذا الوجود في انتشار اللغة الإسبانية بين فئات معينة من المجتمع الوهراني، وبقاء عدة عبارات وكلمات من أصل إسباني في اللهجة الوهرانية، خاصة لدى كبار السن والصيادين، كما نجد أيضًا هذا الأثر جليًا في النمط العمراني الذي خلفته، مثل حلبة "لاكوريدا" الشهيرة. بدأت رياضة مصارعة الثيران في وهران في سنة 1880 حسب عدة روايات تاريخية، حيث أقيمت عدة ساحات لذلك الغرض في شارع الصناعة (حي فلسطين حاليًا)، وبعدها حي ڨمبيطة، ثم أخيرًا في "لا كوريدا إذ تعد هذه الأخيرة واحدة من أهم المعالم التاريخية للمدينة، وهي ساحة مشيدة خصّصت بالأصل لسباقات الثيران وعروض مصارعتها التي تعد تقليدا متوارثًا ومقدسا لدى الإسبان، وقد تم تشييد هذه الحلبة لأول مرة من مادة الخشب من قبل الفرنسيين في 27 ماي من سنة 1890، تحت إلحاح شديد من الجالية الإسبانية التي كانت تقيم آنذاك في وهران، لكن الحرائق أتت عليها كُلّيًا ، ليُعاد بناؤها مرة أخرى باستعمال الخرسانة الإسمنتية، ويتم افتتاحها بعد عشرين عامًا من حادث الاحتراق في 19 جويلية سنة 1910.
حلبة تنفرد بهندستها المعمارية
تتميز هذه الساحة ذات التاريخ الحافل بهندستها المعمارية المتفردة والمختلفة عن بقية الحلبات في العالم، حيث صممها المهندس المعماري المنحدر من وهران غارلونديي، وتكفل ببنائها المقاول أندرويلي على مساحة قدرت ب 4800 متر مربع، وبقُطرٍ بلغ 210 مترًا، كما تتمتع بصدى صوتي عالي الجودة، ما جعلها مقرًا للعديد من بطولات الملاكمة والمصارعة وحتى مباريات بطولات كرة القدم.
بلغت طاقة استيعاب "لا كوريدا" في الزمن الذي خصصت فيه لاحتضان سباقات الثيران حوالي أربعة آلاف شخص، ثم وصلت مع الوقت إلى مشارف العشرة آلاف شخص بعد أعمال التجديد والتوسيع التي شهدتها خلال فترة توقف المباريات والعروض سنة 1936 بعد اندلاع حرب إسبانيا، بعد ذلك، أعيد فتحها سنة 1954 لاستئناف نشاط مصارعة الثيران، لتتوقف هذه السباقات التقليدية نهائيًا خلال سنة 1960 أثناء الحرب التحريرية التي شهدتها الجزائر ضد المستعمر الفرنسي.
-بتصرف-
المصدر: موقع ULTRA الجزائر.
شاركنا بتعليقك