تمتلك مدينة الجزائر حديقة غناء، إنها حديقة التجارب بالحامة، والتي تتربع على مساحة قدرها 32 هكتار، تزخر بأنواع كثيرة من الأشجار والنباتات النادرة، إنها إحدى روائع الإنجازات التي تحققت في البحر الأبيض المتوسط؛ وقد كان لحديقة التجارب في الجزائر شهرة ذاع صيتها في أوروبا والعالم واجتذبت زوارا كثيرين من مشاهير العالم، منهم كارل ماركس الذي زارها سنة 1842 وكتب مشاهداته عن حياة الجزائريين البائسة مقارنة برخاء المستعمرين الفرنسيين، كما زارها فيكتور هيجو الأديب الفرنسي المعروف، وزارها أيضا الرئيس الفرنسي شارل ديجول، وفي الحديقة تم تصوير الفيلم الأمريكي الشهير "طرازان".
1. تاريخ الحديقة: قررت الإدارة العسكرية الفرنسية سنة 1831 تطهير عدة هكتارات من الأراضي، تم اختيارها في منطقة الحامة، والتي كانت عبارة عن أوحال ومستنقعات وطين، وتحويلها إلى أراضي صالحة للزراعة لمواصلة التجارب الفلاحية التي قام بها من قبل الجنرال لكروتز سنة 1830، في المكان الذي يتواجد فيه حاليا مستشفى مايو ؛ ووقع أول قرار يقضي بإنشاء حديقة التجارب في ديسمبر 1832، كانت مساحتها آنذاك تبلغ 5 هكتارات، وأشرف على تسييرها أشخاص عسكريون، وبحكم أن هذه المساحة لم تعد كافية، فقد تم توسيعها إلى 18 هكتارا سنة 1837 ، ثم انتقلت مساحتها من 23 هكتار إلى 78 هكتار في الفترة الممتدة من 1842 إلى 1867
2. الممرات الرئيسية والثانوية للحديقة: تحتوي الحديقة على أربع ممرات رئيسية بديعة واسعة الرحاب وهي ممر الدلب وممر الدراسينة وممر التين وممر الخيزران كما تضم الحديقة ممرات ثانوية صغيرة لكنها ذات قيمة جمالية عالية ومنها ممر اليوكا وممر نولينا وممر الكوكوس وممر التويا وممر الجينكو وممر الدفلى.
يعتبر ممر شجرة الدلب أقدم الممرات الرئيسية فقد أنجز سنة 1845 ويضم نوعان من الأشجار، النوع الأول أصله من الغرب والنوع الثاني مستورد من الشرق، أشجار هذا الممر باسقة بعلو 40 مترا، تستعمل للتزيين وقد يصل تعميرها إلى 2000 سنة، أما ممر شجر التين المستورد من جزر الكناري والذي نصب سنة 1847 فهو الأجمل في العالم، تشابك أغصان أشجاره في نسق بديع وعلى مسافة500 متر، أعطاه ديكورا رائعا وظلا منعشا في أيام الصيف الحارة؛ وأنجز ممر الخيزران سنة 1847، غرست على طول طرفي هذا الممر نباتات الخيزران أصلها من الصين، وهي أعشاب عملاقة يصل ارتفاع بعضها إلى 20 مترا تقريبا، ولها سيقان يصل قطرها إلى 30 سم وقوتها أشد من الفولاذ.
توجد بالحديقة أشجار ضخمة عملاقة وصلبة مرصعة كبنيان مرصوص، أصلها من استراليا، أشكالها مختلفة، أغصانها طويلة ومكسوة بأوراق يافعة، كثيفة الانتشار بالحديقة وتشكل ممر التينة الذي نصب سنة 1863، وتتفرع من شجرة التينة جذوع هوائية، ومع مرور الزمن تنغمس في التربة وتتحول بدورها إلى جذوع إضافية وهي بمثابة أعمدة تساعد الشجرة على تحمل ثقلها.
3. الحديقة الانجليزية: تضم مساحات خضراء غير منتظمة بأشكال هندسية مختلفة، ممراتها ضيقة، بها أنواع مختلفة من الأشجار الاستوائية أصلها من الصين والبرازيل والمكسيك وجزر الكناري والسيلان، ورغم الاختلاف الذي تعرفه الحديقة في النباتات الاستوائية، واختلاط أنواعها بعضها ببعض، إلا أن ذلك لم يمنع من وجود تناغم وتجانس كبيرين جعل من هذا المكان منطقة مميزة تحمل طابعا خاصا بها. أشهر أنواع الأشجار المتواجدة بالحديقة الانجليزية هي شجرة التين (Ficus)، شجرة يقصدها كل من يزور الحديقة وذلك لأنها تمتاز عن غيرها بضخامة حجمها، وكثرة جذورها الهوائية المتدلية من كافة جوانبها، بعضها اخترق التربة وأصبح مع مر الزمن جذعا آخر يساعد على تثبيت الشجرة، ويخفف من ثقل وزنها مما يجعلها شامخة وصامدة، وبعضها الآخر مازال معلقا في الهواء، إنها شجرة معمرة وتشتهر باسم شجرة الطرزان حيث تدل الوثائق على أنه تم تصوير بعض لقطات من الجزء الأول لسلسلة أفلام الرجل القرد سنة 1930 في هذا الموقع بالذات.
4. الحديقة الفرنسية: أنشئت الحديقة ذات الطراز الفرنسي سنة 1914 من قبل السيدين رينيه وقيون بعد فوزهما في مسابقة حول الهندسة الطبيعية، تبلغ مساحتها سبع هكتارات وتضم بعض الأشجار والنباتات المثيرة منها شجرة السابيون والمغنولية والقريوطة والسيكاس. تتوفر الحديقة الفرنسية على مرآتين مائيتين في شكل حوضين الأولى بيضوية الشكل، والثانية دائرية مزينة بأشجار طقسوس وهي أشجار يقال أنها تعمر لعدة قرون متعددة الأنواع ذات أوراق سامة مميتة، أما ثمارها فهي غير سامة، وقد يصل ارتفاعها إلى 15 مترا، كما تتوفر الحديقة الفرنسية على سطح كبير، يضم في واجهته الأمامية رواقين زينا بأعمدة ناصعة البياض، وأدراج تؤدي إلى سطح واسع الرحاب، توجد على جوانبه أشجار الكورزيا.
5. حديقة الحيوانات: تعتبر حديقة الحيوانات بالحامة هي الحديقة الأولى في إفريقيا، تبلغ مساحتها هكتار وهي تقع عند المدخل الشمالي للحديقة، أنشأها المعمر الفرنسي جوزيف دونج عام 1900، حيث لبت السلطات الفرنسية طلبه لبناء حديقة حيوانات تدجن فيها الحيوانات المتوحشة القادمة من أدغال إفريقيا ثم تصدر إلى أوروبا، وازدهرت تجارة الحيوانات المتوحشة المدجنة عام ،1912، حيث تعيش الحيوانات المتوحشة لمدة شهرين في الحديقة، ثم تصدر لدول أوروبا، والهدف من بقاء الحيوانات هذه المدة هو التأكد من خلوها من الأمراض، وتعويدها على مناخ يختلف عن مناخ غابات إفريقيا لتصبح مهيأة للتأقلم في حدائق حيوان أوروبا؛ ومن الحيوانات التي تعيش في الحديقة النعام، الجمل العربي، القردة، الغزلان، الأغنام، الأسود، الفهود ابن آوى طيور النحام والغوريلا...
6. متحف الحديقة: يعتبر المتحف مركز الإعلام والتوجيه، أنشئ حديثا ويعتبر بمثابة ذاكرة الحديقة إذ يحتوي على كتب وكتابات قديمة، وشهادات شخصيات أبرزها شارل دوقالون حاكم مدينة الجزائر إبان الإحتلال الفرنسي، كما علقت على جدران المتحف صور لمدراء الحديقة السابقين، وصور لعلماء فرنسيين وخبراء جزائريين عايشوا الحديقة في زمنهم.
-بتصرف-
شاركنا بتعليقك