لا يتردد سيد قطب )مع حرصه الشديد على التزام المنهج السلفي( في تفسيره، بالتأكيد على نفس الاتجاه في هذه القضية، يقول: كل الروايات التي جاءت عن خلقها من ضلعه مشوبة بالإسرائيليات ولا نملك أن نعتمد عليها !والذي يمكن الجزم به فحسب أن الله تعالى خلق له زوجاً من جنسه فصارا زوجين اثنين، والسنة التي نعلمها عن كل خلق الله هي الزوجية: ﴿ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ الذاريات: 49.
فهي سنة جارية وهي قاعدة في كل خلق الله أصيلة، وإذا سرنا مع هذه السنة فإن لنا أن نرجح أن خلق حواء لم يمكث طويلاً بعد خلق آدم، وأنه تم على نفس الطريقة التي تم بها خلق آدم.
أما الأحاديث النبوية التي تعرضت لخلق المرأة والتي يبدو أنها أوقعت كثيراً من المفسرين في شبكات الإسرائيليات (باعتبار أن حواء خلقت من ضلع آدم) وذلك فيما يبدو بسبب التشابه اللفظي بين قصة خلق حواء كما وردت في التوراة وبين بعض الأحاديث مثل:
"إن المرأة خلقت من ضلع فإن ذهبت تقومها كسرتها وأن تدعها ففيها أود وبلغة"رواه أحمد والنسائي عن أبي ذر.
"إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرت وكسرها طلاقها" رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة.
"إن المرأة خلقت من ضلع وإنك إن ترد إقامة الضلع تكسرها فدارها تعش بها"رواه أحمد وابن حبان والحاكم في المستدرك.
والمتأمل في هذه الأحاديث لا يجد فيها ما يستدل به من قريب أو بعيد على تأييد ما ورد في كتب اليهود من أن حواء خلقت من ضلع آدم! بل كل ما تضمنته توجيهات تربوية للرجال في التعامل مع النساء بالرفق والمودة بعيداً عن العنف والعجرفة مما يستبعد معه أن يكون موضوع الحديث هو المسألة التشريعية بقدر ما هو حديث عن نفسية المرأة، وتوجيه نبوي إلى ضرورة الرفق في التعامل معها وتجنب الشدة والعنف !! وقد جرت على عادة اسلوب العرب في التمثيل وتقريب المعاني المجردة في صياغتها (في صور حسية).
وذلك هو اللائق بالقائد في بيانه التوديعي للأمة (حجة الوداع) "أوصيكم بالنساء خيراً"، والمناسب لسياق الخطبة كلها والتي كانت عبارة عن مجموعة توجيهات في الميدان الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والخلقي ولم تكن درساً في العلوم الطبيعية والبيولوجية!
النتيجة:
رغم ما قد يبدو من تشابه بين اعتبار أن حواء خلقت من ضلع آدم، وبين اعتبارها خلقت من جنسه بعمل إلهي مباشر إلا أن الفرق في الحقيقة مهم جداً بين التأويلين على الصعيد النظري والعملي !
فإن الإلحاح وبدون دليل حاسم على التأويل الأول للنص القرآني لا يحمل بشكل واع أو غير واعي من أصحابه إلا تكريس تبعية المرأة للرجل على الصعيد الاجتماعي وانمحاء شخصيتها وذوبانها في شخصيته وتكريس التمييز والافضلية على أساس الجنس مما يتنافى مع مقاصد الشريعة !
على حين أن التأويل الثاني - فضلاً عن مستنداته اللغوية الوجيهة وتساوقها مع جملة النصوص الواردة في الكتاب حول هذه القضية - هو تأصيل لمفهوم إسلامي وإنساني أساسي وهو (تحقيق استقلالية شخصية المرأة وتحمل مسؤولية وجودها ومصيرها كاملاً).
-بتصرف-
المصدر: مشروع النهضة
شاركنا بتعليقك