اشتهرت منطقة وادي مزاب على مدار قرون من الزمن بحراك ثقافي متميز شمل جميع الفنون العلمية، فكثرت في مواطنهم حلقات العلم ومجالس العلماء ودور التعليم، ونتج عن ذلك ازدهار في وسائل التعليم ومرافقه، فانتشرت الكتب والمؤلفات، وازداد الحرص على اقتنائها واستنساخها ولو ببذل الغالي والنفيس.
ويتجلى هذا الحراك في التراث الضخم الذي تزخر به المنطقة، حيث تحتوي مكتبات وادي مزاب بغرداية على نفائس المخطوطات التي تتوزع على مختلف قصور الوادي؛ إذ لا يخلو قصر من القصور من مكتبة تضم أنفس المخطوطات العربية والإسلامية وفي شتى المذاهب.
وقد بُذلت جهودٌ معتبرة منذ بداية القرن الماضي من قبل هيئات وباحثين؛ لخدمة هذا التراث وفهرسته؛ تيسيرا لمهمة الباحثين والدارسين لتراث المنطقة والجزائر عموما بأبعادها الجغرافية والدينية والثقافية. ومن المكتبات المشهورة في قصر تغردايت:
مكتبة خزانة القاضي أبي بكر بن مسعود
هذه الخزانة هي للشيخ القاضي أبي بكر بن مسعود الغرداوي الشهير بالشيخ الحاج بابكر. نشأ الشيخ في وارجلان وانتقل بعدها إلى غرداية. أحد تلامذة القطب ورئيس حلقة العزابة بغرداية خلفا للشيخ صالح بن كاسي (ت: 1299ه/1882م)، كما شغل لفترة من الزمن رئيسا للمحكمة الشرعية الإباضية بمعسكر ثم بغرداية، وبقي كذلك حتى وفاته في 1325ه / 1907م.
تتواجد خزانة القاضي أبي بكر حاليا بجمعية أبي إسحاق اطفيش لخدمة التراث بغرداية، وضعها أحفاد الحاج بابكر في يد الجمعية بغية فهرستها وتنظيمها، وقد شرعت الجمعية في سنة 1992م في فهرستها، فأنجزت بطاقات فنية لأغلب مخطوطاتها إلا أنها لم تكتمل.
وبطلب من الجمعية تكفل قسم التراث بمؤسسة الشيخ عمي سعيد بمهمة فهرستها في إطار مشروع القسم، وتم ذلك في رجب من سنة 1428هـ الموافق لشهر أوت 2007م.
ويضم الفهرس 334 مخطوطا في 180 صفحة، وتحتوي الخزانة على أقدم نسخة من كتاب المستصفى من علم الأصول لأبي حامد الغزالي المتوفي في 505هـ، يرجع تاريخ نسخها إلى 05 صفر 552هـ. نسخها علي بن أبي القاسم نصر بن محمد بن أحمد العنزي.
بالإضافة إلى امتلاك الخزانة لمجموعة من النسخ القديمة فإن أهمية المكتبة تعود أيضا إلى سلامة مخطوطاتها من الخرم والنقص على غير عادة أغلب مخطوطات، وكذا تميّزها عن غيرها من المكتبات بعناوين فريدة، استطاع صاحب الخزانة الحصول عليها لفضل ما من الله عليه من اليسر وسعة الرزق.
-بتصرف-
المصدر: حماية خزائن المخطوطات في وادي مزاب بغرداية وفهرستها، الدكتور: باباواسماعيل زهير
شاركنا بتعليقك