إسهامات

كنت على سفر في (هونغ كونغ) دخلت شبكة الفايسبوك لحاجة في نفسي، وبفعل الفارق الزمني فالساعة عندي تشير إلى العاشرة صباحا، أما في الجزائر فكانت الثانية ليلا، وإذ برسالة حية تصلني من أخت تستشير في قضايا علمية وأخرى شخصية، كان هذا السؤال كفيلا بإغراقي في بحر لجي من التساؤلات والاستفهامات: هل الزمن على الفايسبوك هو نفسه الزمن في الحياة العامة؟ وهل ثمة حد فاصل بين «الزمن الإلكتروني العبثي»، و«الزمن الإنساني الحيوي»؟ وهل هذه الأخت الكريمة بإمكانها مثلا أن تدق جرس بيت أستاذ، أو تتصل به هاتفيا، لتستشيره في مسألة شخصية أو علمية على الساعة الثانية ليلا مثلا؟

مما يؤرقني أن الكثيرين من فِتياننا، وفَتياتنا اليوم يقومون الليل على شبكات التواصل الاجتماعي لا يفترون... فإن كانت الخلوة في ميزاننا الفقهي الواقعي: هي اختلاء الرجل بامرأة أجنبية عنه؛ بمكان فيه مانع الدخول الغير... فهل تعد الدردشة الحية المفتوحة على كل المواضيع والاحتمالات من خلال حسابات افتراضية مغلقة: «خلوة إلكترونية» مناظرة ومماثلة للخلوة الفعلية المادية؟ أم أنها أخطر منها وأشد فتكا...

الجواب من تحليل مبدئي (نعم): فهي تحمل في ذاتها نفس الخواص والشروط للخلوة المحرمة، وبوسعها أن تكون ممهدة ومقربة لأفعال أخرى في الحياة اليومية...؛ أما من منظار فقهي؛ فأترك الفصل فيه للسادة الفقهاء...

ومما يزيد الإنسان تقززا أنه حين يهب وقته لجلسة ودية، وفي بعض الأحيان عملية: يجد نفسه أمام كائنات بشرية تلهو بأناملها على "واتساب" و"فيبر" و"فايسبوك".... وحين يهتز هاتفها بالرنين، فإنها تقطع حبل تفكير الحضور من حولها بالاستجابة لمكالمة غير عاجلة، أو رسالة قصيرة تافهة، فالغائب مكانيا عن تلك «الحفريات البشرية» أهم عندها ممن هو ماثل، بلحمه وعظمه، أمامها، وهي تقول لمن حولها: أن الغائب عني أكثر منك رفعة، وأن رسالة إلكترونية، وتعليقا فايسبوكيا هو أرفع منك قدرا وشأنا...

إن نحن اليوم استرسلنا في تحليل سلوكنا الإلكتروني؛ فإننا سنقف على عدد لا حصر له من التشوهات التي تعلو قسمات وجوهنا، وتشوش ملامحنا؛ فمنها: الفكري، والفقهي، واللغوي... ومن عجائب الزمان أن «إنسان العصر» لم يعد ينتبه أن أي فعل يجترحه، أو قول يتلفظ به، إلكترونيا كان أم مباشرا؛ فإنه بالضرورة يقع في إحدى المراتب الفقهية: من حلال أو حرام، ومكروه أو مندوب، أو مباح؛ فقدْ فقدَ الإنسان بكل أسف حاسته الفقهية الشرعية؛ فأضحى يغتاب إلكترونيا، ويسير افتراضيا بالنميمة بين الناس، ويقذف الأبرياء، فايسبوكيا، مما هم منه برآء...

وليس بوسعنا اليوم للخروج من هذه المعضلة المعلوماتية إلا عقل ممحِص دارس؛ قادر على فقه الظاهرة فقها شموليا لا مفتتا ومجزءً ولكننا إن استمررنا في هوايتنا المفضلة: وهي الغرق في تفاصيل الحياة وموجها، دون دراسة وتحليل لمواقفنا بين الفينة والأخرى؛ فإن ما يخبئه لنا المستقبل القريب سيكون أكثر شراسة، ولعل فاتورته الأثقل هي: أننا سنفقد لغة التواصل وفقه التربية لجيل سيكون جيلا إلكترونيا بامتياز...

وبالمناسبة؛ طالما ثمة معاص إلكترونية، فهنالك، ضرورة، طاعات إلكترونية. حلل، وفكر؛ قبل أن تناقش.

المصدر: كتاب صورة العصر، د. طه كوزي، صفحة 27-29.

شاركنا بتعليقك