إسهامات

بُعِثْتُ بالحنفية السَمحة:

نصوص القرآن والسنة النبوية واضحة في توجيه الناس لهذا الهدف؛ فالقرآن يقرر أن الناس خلقوا من نفس واحدة ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾، الحجرات: 13. وقد جعل الله الغاية من خلق الناس هي "ليتعارفوا" فيما بينهم، والتعارف يقتضي التقارب، والتحاور، والمسامحة، ولطف المعاملة، وإذا كان أصل الجنس البشري واحداً، والبشر كلهم قد تشرفوا بنسبتهم لأبيهم آدم، فلا ينبغي أن تفرق بينهم اللغات والأديان؛ بل يجب أن تحل المحبة والتسامح والتعايش الإيجابي بين أبناء آدم الذين جمعت بينهم رحم الإنسانية، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾، النساء: 1. والأرحام هنا هي أرحام البشرية المخلوقة من أصل واحد؛ ولهذا فإننا نجد الإسلام أعلى من شأن هذا الجانب الإنساني الذي يجمع الناس ولا يفرقهم، ودعا إلى التسامح مع بني الإنسان حتى الذين يخالفوننا في ديننا، قال تعالى: ﴿  لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾، الممتحنة: 8.

وقال على لسان نبيه صلوات الله عليه ﴿ فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾، الشورى: 15. فالله رب الجميع، وهو الذي يحاسب البشر يوم يصيرون إليه، ﴿ قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾، سبأ: 25، ولولا هذا التسامح الاجتماعي لما انتشر الإسلام بهذه السرعة بين أهل الأديان والثقافات والفلسفات في بداية وجوده، وكان ﷺ المثل الأعلى للتسامح، فكان يعامل الناس بصفة الإنسانية التي تجمع بين بني آدم قاطبة، لا على أساس دين أو عرق أو انتماء، ويعلمنا ذلك بأخلاقه النبوية، ولقد قام صلى الله عليه وسلم لجنازة يهودي، وقال ما أراها إلا نسمة؛ كل ذلك ليكون التسامح طبعاً متأصلاً في نفس كل مسلم، لا تكلفاً يفعله ونفسه تشتهي الانتقام، لأن التسامح دعوة وبناء، قال ﷺ:" بُعِثت بالحنيفية السمحة "، إنها سمحة مع كل البشر، تأمر بالإحسان والبر والتسامح الاجتماعي مع جميع الناس، بل كان ﷺ الرحمة العامّة لكل البشر على اختلاف مللهم وأديانهم وأجناسهم قال الله تعالى: ﴿ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾، الأنبياء: 107. فالكون فضاء الله الواسع، خلقه الله ليتسع لكل بني آدم، ولو أراد الله أن يختص به جنساً من البشر أو أصحاب دين لما أعجزه ذلك، وهو القادر المقتدر جل جلاله؛ ولكن هذا الكون على اتساعه يضيق مع العداوة والكره والحقد ويتسع أضعاف ما هو عليه على المتسامح الذي يعفو ويصفح، ولن تجد من الأخلاق ما يريح القلب والنفس والبدن مثل التسامح، ولن تجد وطناً يعيش بسلام من دون إرث عظيم من التسامح الاجتماعي، فالمتسامح شخص أرضى ربه وأرضى إنسانيته وأرضى المروءة وأوسع على نفسه وعلى غيره هذا الفضاء فعاش سعيداً، لأنه لن يخضع لسلطة الشر في وجوده الذاتي، هذه السلطة التي تكرس النبذ المتبادل بين الأفراد في المجتمع، وتدعو إلى العداوة والبغضاء، بل تكرس فكرة الانغلاق على الذات في تجلياتها العرقية والمذهبية والطائفية، وهذه هي العوامل التي تصنع العنف في الوجود، وأعداء الإنسانية ولدوا من رحم الشر ومن الصعب زرع بذرة التسامح في نفوسهم.

تنوع البشر حكمة إلهية:

المتسامح أنموذج بشري راقٍ، استمع لصوت الإنسانية في داخله، ونداء الحق في دينه، وعبر عنه بسلوكه وأخلاقه ومعاملته، والاختلاف البشري الذي خلق الله الناس عليه هو نوع من الحكمة الإلهية لتستمر الحياة، فالناس متنوعون في تفكيرهم وعقولهم ومستواهم الاجتماعي والحضاري لكي يتسنى لهم أن يطوروا هذه الحياة ويدفع بعضهم بعضاً لترتقي البشرية.

ولقد جعل الاختلاف بين البشر من آيات قدرته الدالة على عظمته، قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ﴾، الروم: 22.

﴿  لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾، المائدة: 48.

والقرآن الكريم دائماً ينشِّئ نفوس المؤمنين على خلق التسامح الاجتماعي والعفو والصفح ومقابلة السوء بالإحسان ليعيش الناس في مواطنة ومواءمة تحت سقف الوطن الواحد، خاطب الله بذلك النبي ﷺ وطلب منه العفو عن أعدائه الذين أخرجوه وطردوه بقوله: ﴿  فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾، آل عمران: 159. والعفو هو أعلى درجات التسامح، وخاطب كل مسلم بقوله: ﴿  وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾، البقرة: 237، وبقوله: ﴿  فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾، الشورى: 40، وغيرها من الآيات الكثيرة، فكان ﷺ مثالاً للعفو والصفح، آذاه أهل الطائف فلم يرضَ أن يدعو عليهم أو ينتقم منهم حينما جاءه ملك الجبال، بل قابل ذلك بأمنية لا يمكن أن تصدر من غيره صلوات الله عليه، حينما قال:" لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله "، وهل هناك أعظم من هذه الأمنية؟ إنها أمنية نبي لقوم أرادوا قتله، والنفوس الكبيرةُ كبيرةٌ مهما واجهت من لؤم بني آدم وخبث نفوسهم؛ لأن كل إناء بما فيه ينضح، ولما طلب منه أصحابه أن يدعو على قريش حينما آذوه وأرادوا قتله رد عليهم بقوله:" اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون "، ومثل هذا التسامح يمهد للمواطنة الحقيقية والتعايش السلمي من خلال الروح المشتركة التي تعامل الناس جميعاً بموجب إنسانيتهم، وتنفيذاً لأمر الله بتكريم الإنسان: ﴿  وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾، الإسراء: 70، وإخبار الله تعالى لنا بكرامة الإنسان هو تحريك لمشاعر الإنسانية، وتوجيه للعواطف الأخوية، ودعوة للإنسان كي يقترب من أخيه الإنسان، وهو عنوان للتسامح المجتمعي بلا تفريق بين أطيافه، ولن تجد دعوة للتسامح الاجتماعي، ولا آية دالة عليه كما تجدها في هذه الآية؛ فالله هو الذي كرم بني آدم، فكيف لا نكرمه نحن؟

-بتصرف-

المصدر: يومية الخليج

شاركنا بتعليقك