إن المسجد في وادي مزاب يمتاز عن المسجد في مختلف أنحاء الوطن الجزائري، ولا حاجة لنا بعقد مقارنة بينهما، وإن كانت كلها بيوت عبادة ومراكز توجيه وإرشاد، ولكن هذه تختلف كثيرا من حيث تأثيرها على المجتمع عامة، وذلك لأن المسجد عندنا يمثل قمة الهياكل الاجتماعية القائمة، وإذا قلنا المسجد، فلسنا نعي جدرانه ولا معماره ولكننا نعي عماره، والقائمين عليه، وهذا مستعمل كثيرا في أساليب العربية الفصحى، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ يوسف: 82، وقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ النحل: 112.
وسنذكر جملة من الأعراف والأنظمة التي حددت نظم تسييرها وكونت حولها منظمات مرتبطة بها ومتمركزة فيها، جعلت منها على مر العصور مراكز إشعاع ومنارات مراقبة ويقظة مستمرة على مجتمع القرية، وكان الفضل لهذه المنظمة في استمراره إلى اليوم، متحدية جميع الأنظمة التي صنعها البشر لتنظيم مجتمعاتهم في مختلف أنحاء العالم.
وسنبدي رأينا صريحا في الأسباب التي منحت هذا النظام استمراريته وفعاليته إلى يوم الناس هذا، رغم ما تعرض له في فترات الجهل والفتن وفي عهد الاستعمار العسكري الغاشم، وبعد الاستقلال مباشرة.
وإليكم ما أمكن ذكره من هذه الأنظمة والأعراف، لقد اختار المؤسسون لمدن میزاب عند إنشائها أموراً منها:
1. البدء ببناء المسجد في أول ما يبنى من المرافق العامة في كل قرية.
2. اختاروا مكانه في أعلى نقطة وأرفع مكان من القرية وهو تعبير صادق ومحسوس عن المكانة المعنوية التي يضعون فيها المسجد من البنية الاجتماعية التي تنظم الحياة العامة في البلدة.
3. قرروا أن لا يكون في كل قرية إلا مسجد واحد توحيدا للقيادة والتوجيه.
4. أن لا يكون في القرية إلا آذان واحد وصومعة واحدة.
5. يطلقون على الصومعة أو المئذنة اسما بالبربرية يعني الحارس: أَعسَّاسْ.
6. يلتزمون في بنائه البساطة التامة، فلا يكاد الإنسان العابر يفرق بين أبوابه الخارجية وأبواب الدور العادية في البلدة.
7. شرعوا له مجموعة من الأعراف والتقاليد والأخلاقيات تعطيه مكانته خاصة بين البنايات العامة والمرافق العمومية منها أنهم:
♦ ألزموا من يرتاده ويعمره لباسا خاصا وسمتا حسنا على حسب وظائفها.
♦ كَوَّنوا له صدقات توزع في أوقات معينة على طول العام، وكميات من الماء العذب في الشتاء والبارد في الصيف، وفي موسم رمضان، وفي مختلف الأعياد الدينية.
♦ إشراف مسيري المساجد على جميع تجمعات البلدة كالجنائز وحفلات الأعراس وجميع الولائم التي يتجمع فيها الناس وذلك اقتداء بعمل الرسول ﷺ في المدينة.
♦ شَرَّعوا أعرافا وقوانين اجتماعية واقتصادية وسهروا على تطبيقها تطبيقا محكما وسليما بدون تمييز ولا محاباة في ما يتعلق بالرجال والمجتمع النسوي.
♦ كَوَّنوا في كل مسجد حلقة أو جماعة من الناس تحافظ على مرافق المسجد وتقوم بشؤونه وتعمره بكل ما تحمله كلمة العمارة من معاني مادية ومعنوية.
♦ كَوَّنوا حول المسجد محاضر لتعليم القرآن ومركزا لتدريس العلوم، ومحلا الحراسة البلدة من طرف المتطوعين في الحراسة ولكل الخدمات في المرافق العامة.
ولو ذهبنا نُعَدّد الأعمال التي تقوم بها هذه الهيئة لابتعدنا عن الموضوع، وأنا في تعداد هذه الأنظمة أريد أن أوضح أن المساجد في وادي مزاب ليست بيوت عبادة فقط، بل هي مراكز إشعاع و منارات الهداية، ومصدر مراقبة اجتماعية، فحلقة العزابة والهيئات الثلاث المنضوية تحت إشرافها وهي هيئة "إروان" و"إمصوردان" و"تمسردين" أو "الغاسلات"، تشكل ما نسميه المسجد، وكل من ذكر المسجد عندنا لا يمكنه أن يفصل من ذهنه هذه الهيئات المتصلة به، ومن أعجب ما في هذا النظام أنه يقوم على كثير من المقاييس، ولكن المقياس الرئيسي فيما نرى هو الاستقامة، هو المواظبة على عمارة المسجد في كامل السنة، وتعدد هذه الهيئات هو الذي جعل فرصا متوازية لكل من أراد أن يعمل لله وللمجتمع، فمن استطاع أن يحفظ القرآن عن ظهر قلب فله مكانه في حلقة إروان، ولا يكفي حفظ القرآن إذا لم يكن مواظبا على حضور مجالس التلاوة، وحلقات الدروس العلمية، والصلوات مع الجماعة، وجلسات الهيئة في محلها بجانب المسجد، والاستعداد الدائم للقيام ببعض وظائف العزابة عند طلبهم، ومن لم يتسن له حفظ القرآن فقد يسمح له بالدخول إلى هذه الحلقة إذا كان قد ختم القرآن، وواظب على مجلس التلاوة، وظهر أثره في سلوكه الفردي والاجتماعي، وأما من لم يختم القرآن فبإمكانه أن ينضم إلى هيئة إمصورادان، ويقوم بجميع ما تقوم به من أعمال تطوعية كالحراسة ونحوها من الأعمال. ولنقل مثل ذلك في هيئة الغاسلات وإشرافهن وقيامهن على شؤون المجتمع النسوي.
فنحن نرى، أن هذا النظام القائم و مجموعة أعرافه وقوانينه يجعل من هذه المساجد مراكز للتربية العملية، والمراقبة الاجتماعية لجميع الفئات، وكل أفراد هذه المؤسسات يخضعون للمراقبة المستمرة من طرف مسؤولي هذه الهيئات، ومن هيئة العزابة المشرفة عليها كلها، وإن كانت لا تتدخل مباشرة إلا إذا عجزت الهيئات واستعانت بهما.
وكل ما ذكرنا يجعل من المساجد في واد مزاب مصدر خير وهداية ونور الحياة اجتماعية تقوم على أسس إسلامية سليمة تعطي في مجموعها صورة حية لملامح مجتمع مسلم في عصرنا الحديث، ولست في هذا عاطفيا ولا نرجسيا ولكني عشت مع هذه الأنظمة مدة كافية، أقنعتي، فاقتنعت أن هذه الأنظمة قد تلاحمت بالمجتمع الذي انبثقت منه تلاحما بلغ حد الامتداد، فلا يكاد المسجد يصدر أمرا إلا تلقاه المجتمع بالاستجابة التلقائية، بل ويصبح منذ اليوم الأول ينفذ هذا الأمر أو هذا القانون، ومع أنه لا يكتفي بالتوصية والتوجيه والإرشاد، بل يتدخل في كثير من الشؤون الداخلية للعائلات، ولكن يقبل تدخله برضى وطواعية بل بفخر واعتزاز، ولهذا فأنا أعتقد أن المسجد عندنا قد قام بدور تربوي رائد، يصلح لأن یکون نموذجا لتربية الشباب فحسب بل لتربية المجتمع، وذلك لأن المسجد عندنا بربي الفرد منذ الطفولة المبكرة، ويعده إعداد سليما لأن يكون عضوا عاملا ونافعا للمجتمع، وذلك بما يعرض من نماذج عملية للجهاد المستمر الدؤوب، ولنكران الذات والقيام بهذه الأعمال ابتغاء ما عند الله.
فالمؤمن الذي ينتمي إلى هذه الهيئات يتطوع لمدى الحياة، ولا يتقاضى في كل أعماله أجرا، ولو كان وظيفة يومية تقتضي التفرغ لما أسند إليه، والهيئة لا تفرق بين الناس في القيام بواجباتها نحوهم، فلا فرق عندهم بين فقير وفي في مراسيم جنازة أو حفلة عرس أو إجابة دعوة، ولا يفرقون بين الناس في توزيع الصدقات، ولا في تطبيق الأوامر، ولا في إنزال العقوبات، كما أنهم فرضوا التساوي في المهور، وفي نفقات الولائم والأعراس، وهنا أتوقف قليلا لأني أحس أن كثيرا من القراء يتساءلون أو يريدون أن يقولوا: إنك تذكر ما مضى من تاريخ هذه الهيئة، وأنا أجيب: إني أتحدث عن الواقع الذي عشناه ونعيشه إلى يومنا هذا، وهذه ملاحظاتي أسجلها بكل اختصار:
انطلاق وفد الحجيج من المسجد بعد وداع أهاليهم وأقاربهم، في هذه الرحلة الممتازة، والتي يفترض فيها أن الحاج قد لا يعود، ثم استقبالهم عند الرجوع في موكب إلى المسجد، قبل دخولهم لبيوتهم، وتجمع أغلب سكان البلدة لحضور هذا الموكب الرهيب الخاشع عند الوداع، والمهيب الرائع عند الرجوع واللقاء، له آثاره الإيجابية في نفوس من حضروه من كبار وصغار.
أليس هذا دليلا ساطعا يجعل المسجد فوق كل اعتبار؟
ومراسيم العيدين والمولد النبوي الشريف، وعيد الزيارة أو عيد الريف، وما يحيط بهذه الأعياد من مراسيم يحافظ عليها الكبير ويدرج عليها الصغير، يرويها الخلف عن السلف، تجعل هذه الأعياد على تنوعها وتعددها صورة في ذهن كل إنسان عالقة ومتصلة بالمسجد.
ولعلنا لو سألنا الآن ما هي الصورة الذهبية التي ارتسمت في نفسك عن العيد؟ لأجاب كل واحد منا: حضور درس المسجد وصلاة العيد، وتبادل التهاني وزيارة القبور، واجتماع العشائر، حتى لقد سمعنا من يعاتب أخاه قائلا: إذا لم تحضر درس العيد والصلاة مع المسلمين فما معنى انتقالك من الجزائر إلى بلدتك من أجل العيد؟
وأشير إلى مظهر آخر من مظاهر تعلق الناس بالمسجد وهو تسمية الولد البكر فعندما يولد ولد لأحد المؤمنين سيما إذا كان ذكرا، وفي أول ما يولد للرجل، يذهب المولود له في إحدى أوقات الصلاة ويطلب من العزابة اختيار اسم لابنه، فيسمونه بعد تلاوة آية: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ الأنعام: 83، ويتبعون تلك الأسماء حتى الاسم الذي يوافق تاريخ يوم الميلاد مع اسم أحد الأنبياء، وقد يولم لذلك وليمة متواضعة، وقولوا إن شئتم هو تبرك أو تفاؤل، أم حسم لتراع بين الوالدين، ولكنه دليل صادق على مدى ما يتمتع به العزابة والمسجد من مكانة في نفوس المؤمنين، ودليل على العلاقة الوثيقة بين هذه المؤسسة والمجتمع، الذي انبثقت منه، وهي ليست علاقة تسلط بقدر ما هي علاقة تقدير واحترام، فليس للعزابة شرطة ولا درك.
وحتى حين تعلن البراءة من شخص فإنه يذهب عن طواعية إلى المسجد ليتوب ويخرج بعد التوبة رضي النفس مرتاح الضمير.
ومجمل القول الذي أريد أن أقول هو أن دور المسجد عندنا هو دور تربوي رائد، فهو بواسطة المحاضر أو المدارس القرآنية يحتضن الأبناء منذ طفولتهم المبكرة، ويأخذونهم بالتربية الإسلامية العملية منذ الصغر، ينشؤون على تعود طريق المسجد، ويشيعون فيهم معنى المساواة من التوزيع العادل لأنواع الصدقات لا فرق بين رئيس العزابة وأصغر مؤمن يدخل المسجد، ثم يتدربون على النطق العربي الفصيح منذ الصغر، فلا نكاد نشعر في كلامنا بلكنة البربرية في النطق رغم أننا نتحدث هذه اللغة في أغلب الأوقات.
ثم تمتد الرعاية للشباب من خلال دروس يومية منظمة وموسمية ممتازة، فعند البلوغ تقوم فئة من الشباب بتعليم من جاء بعدها من الأبناء البالغين. والمراقبة واليقظة على جميع الفئات الاجتماعية، وكل ما يسن العزابة من أعراف وأوامر وتوجيهات يقتنع بها الناس لأنها تصدر اعتبارا لمصلحة الفرد في المجتمع وانطلاقا مما قال الله وقال رسوله ومن التجربة التي عاشوها، ولذلك يتقبل هذا المجتمع كل هذا عن رضى وطواعية، ولا يجد في ذلك حرجا كما قال الله سبحانه لرسوله في
صفات المؤمنين الصادقين: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ النساء: 65.
وكثيرا ما تحدث أمور يحس المجتمع بثقلها، فإذا بقرار العزابة المنبثق من كتاب الله وسنة رسوله ينزل رحمة للناس وبلسما لذلك الجرح الذي أضر بالناس.
لقد رأينا من خلال هذه التجربة التي مرت بها مؤسساتنا كما عايشنا واقتنعنا، أنها أعطت نموذجا صالحا لطرق تربوية عملية وتطبيقية رائدة، ونحن نلمس ونجني ثمراتها، ولكن هذه المؤسسات ما دامت نظاما شعبيا لا سلطة زمنية تفرض أوامرها بالقوة، فلن يكون لهذه المؤسسات من قيمة إلا بمقدار ما يحمله هذا المجتمع لها من احترام وتقدير، فنحن إذا استعرضنا هذا النظام ورأيناه في جميع القرى، قرى وادي ميزاب وجدناه يتفاوت بحسب حكمة وتبصر ومقدرة القائم عليه وعلى مقدار مساندة المجتمع له في جميع توجيهاته وإصلاحاته الاجتماعية، والسلام عليكم.
المصدر: كتاب الشيخ القرادي وآثاره الفكرية، جمع وتقديم عبد الوهاب بن الشيخ عبد الرحمان بن عمر باكلي، صفحة 68-74.
شاركنا بتعليقك