التنمية البشرية حقيقة وُجدت عبر الأزمنة بطرق مختلفة، وإن اختلفت أسماؤها وسبلها.
يعمل هذا المجال على التركيز على الإنسان ورؤيته كعنصر مهم في الكون والاستثمار به، فإذا تطور الفرد تطورت أسرته ومجتمعه ووطنه؛ حيث يتم الاستثمار به عن طريق تقديم مجموعة دورات تدريبية في مختلف المجالات الحياتية، لرفع مستوى الوعي.
يرى عديدون أن رواج التنمية البشرية شهد أوجه خاصة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية التي دمرت دولاً عديدة وحولتها إلى ركام، وحين أرادت أن تُعيد بناء نفسها، وأن تنحو نحو نهضة جديدة أدركت أن البشر هم الثروة الحقيقية، وأن قوة الأمم تكمن فيما تمتلكه من طاقات بشرية محفزة، ومدربة، ومؤهلة، وقادرة على خلق فرص للنمو والتطور والتعامل بكفاءة مع الأخطار المحدقة وابتكار الحلول لما يستعصي من أزمات.
ومع بداية التسعينات أعطت الأمم المتحدة لمفهوم تنمية البشر زخمًا هائلاً حين وسعت هذا المفهوم، فلم يعد قاصرًا على التفهم والسعي لتوفير احتياجات البشر من تحسين للصحة وظروف السكن والمعيشة وجودة التعليم، بل تجاوزه إلى تطوير المعارف واكتساب المهارات وخلق فرص الإبداع والاستمتاع بالحياة والتمتع بالحرية والكرامة وتقدير الذات.
بداية.. بدأ "المدربون" بتقديم دورات في مجالات واضحة وملمّة بحياة الفرد، منها المجال الأسري والتربوي والمهني والشخصي والدراسي، وهذه النقاط الخمس هي أكثر ما يحتاجه الفرد ليرتقي بذاته ويعيش متوازناً.
ثم تعدت الدورات إلى أبعد من ذلك، كيف تصبح سعيداً؟ كيف تكون متفائلاً؟ كيف تجذب أي شيء تريده؟ فن الديكور، دورات جذب شريك الحياة.. تعدّدت التسميات والمواضيع واحدة.
كثرت الانتقادات حول هذا المجال، فمنهم من يراه نصباً واحتيالاً وتجارة وكذباً ولعباً بعقول الناس، ذلك لأن المتدرّب الباحث عن الارتقاء وتطوير نفسه ينجذب للشعارات الرنانة وينخدع بالألقاب الضخمة كـ: كبير المدربين والعمدة والخبير والرائد وغيرهم دون شاهد علميّ واضح على ذلك، وقد يتعدّى اللقب إلى أربع كلمات أو أكثر كلها مجرد تسميات للشهادات التي يحصلون عليها، وتبدأ رحلة المتدرّب يومين أو أكثر من الحماس والتحفيز، أين يتم تصوير العالم له على أنه مميّز ومثالي ولا شيء مستحيل به، فإذا ما خرج له وأراد تطبيق ما تعلّمه، يجد نفسه غريباً عن مجتمعه مهاجَماً ومحط سخرية من الجميع، ذلك لأن كل ما يخبرهم به أو يفعله بعيد كل البعد عن الواقع!
تسعى التنمية لتغيير إنسان بمجرّد حضوره دورة وتطبيق ما جاء بها من تمارين وهذا -تقريباً- مستحيل، فمشكلة مجتمعاتنا أكبر من أن تغيرها دورات حماسية مليئة بالشعارات، فهي مشكلة قناعات ومعتقدات ترسخت وتحجّرت لأزمنة عديدة في الأذهان، والعمل على تغييرها، بل على لفت الانتباه لخطئها يحتاج دراسات عميقة وعملاً شاقاً.
بما أن المجال يقدّم الكثير من الوعود للناس بتغيير حيواتهم نحو الأفضل، فالأجدر أن يكون كل مدرب ملماً بما يقدّمه تدريباً وخبرة وتجربة، فمن الجنون أن يقدم شخص أعزب أو مطلّق دروساً عن الحياة الزوجية السعيدة، أو شخص لا يملك أولاداً يقدم دروساً عن كيفية التعامل معهم، أو آخر لم يُدِر مشروعاً بحياته ويعلّم الناس عن إدارة المشاريع، كالذي يبيع للناس ما لا يملكه، بما أنه يتقاضى أجراً على ذلك.
هناك أناس فشلوا أو سلكوا الطريق الخطأ في حيواتهم، وهذا أمر طبيعي يحدث لأي كان، لكن من غير الطبيعي أن تكون الدورة التدريبية فرصة لجعل المتدرّبين يستفيدون من أخطاء مدرّبهم، بل هي فرصة لإكسابهم خبرات ومهارات قد جُرِّبت منهم أو من طرف شخصيات موجودين على أرض الواقع في مجتمعنا نحن.
كما أن إعطاء الأمثلة عن أشخاص "أجانب" نجحوا بعد فشل، ليس محفزاً للمتدرّب هنا لأن يتفاءل ويحقق المستحيل، فالمجتمع في الخارج وإن كان به إحباط وتثبيط لعزائم الفرد، فإنه لا يتعدّى حجم الإحباط في مجتمعاتنا العربية بصفة عامة.
إخبار المتدرّب بأن ليس هناك مستحيل وبأنّه يمكن أن يصبح كأحد "كبار المدربين" أو كـ"ثاني أغنياء العالم" مثلاً سيعطيه جرعة مؤقتة من الأمل، لكنها سرعان ما تزول؛ لأن تلك التحفيزات لا توافق قدراته ومواهبه، نعم يمكن للإنسان أن يصنع تميّزه لكن حسب ما يملكه ويمكنه العمل عليه لتطويره.
من المهم أن نُفرّق فيما يُقدّم على أنه علم تنمية بشرية بين صنفين، فأما الأول فيتعلّق بمجموعة من المهارات التطبيقية التي قد تُساعدك في إدارة شؤونك اليومية وأما الثاني وهو المُتعلٌّق بدغدغة المشاعر والنفخ في الذهنيات المهزومة.
بالنسبة للمهارات، من نوع كيف تدير وقتك وكيف تدير مشروعك وكيف تعالج بعض المشاكل النفسية والسلوكية من جنس الخجل المفرط أو ضعف الشخصية أو حتى الأرق وكل ما يُلامس الواقع لا يُمكن أن نُكابر ونقول إن الإنسان لا يحتاجه، فحتى أشد الناس موهبة وتميزًا تجده دائمًا مُطالبًا بصقل مهاراته وتطويرها.
-بتصرف-
المصادر: مدونة هافينغتون بوست ، مدونة: ن بوست
شاركنا بتعليقك