يرى ابن خلدون أن حياة الدول والشعوب تمر بفترات ومراحل قلما تختلف، حيث تنتقل من طور البداوة والتوحش إلى حياة البذخ والترف ورقة العيش، لتصل في نهاية المطاف إلى سن الشيخوخة والهرم ثم الفناء، وهي تتشابه في ذلك مع الأطوار التي تعرفها حياة أي فرد من النوع الإنساني، بداء من فترة الطفولة والشباب، إلى الكهولة والشدة، ثم الشيخوخة والهرم.
وحسب رأي ابن خلدون فإن المراحل المذكورة طبيعة في الدول والأمم كما هي طبيعة في الأفراد. وهو إذ يصنف تاريخ الدول والمجتمعات إلى ما ذكرنا من المراحل فإنه يعتمد على عنصرين مهمين:
الأول منهما: بناء على ما جاء في القرآن الكريم من الشواهد والأدلة التي تعزز ما ذهب إليه وقرره.
الثاني: بناء على تجارب الحياة، وتواريخ الأمم التي قلما تحيد عن هذا المقياس. هذا وقد رأينا تناول كل مرحلة بالتفصيل، مشيرا إلى مظاهرها وأوصافها، فكان لزاما لننظر فيها علينا بعين التأمل والبصيرة ونتأكد من صدق وحقيقة ما يقول.
أوّلًا: أما المرحلة الأولى فيصفها بقوله: "لأن الجيل الأول لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها من شظف العيش والبسالة والافتراس والاشتراك في المجد، فلا تزال بذلك سورة العصبية محفوظة فيهم، فحسهم مرهف، وجانبهم مرهوب، والناس لهم مغلوبون".
ثانيا: أما المرحلة الثانية، أو الجيل الثاني، على -حد تعبيره- فيصفه بما يلي: والجيل الثاني تحول حالهم بالملك والترفه من البداوة إلى الحضارة، ومن الشظف إلى الترف والخصب، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحدية، وكسل الباقين عن السعي فيه، ومن عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة، فتنكسر سورة العصبية بعض الشيء، وتؤنس منهم المهانة والخضوع، ويبقى لهم الكثير من ذلك بما أدركوا الجيل الأول، وباشروا أحوالهم وشاهدوا اعتزازهم، وسعيهم إلى المجد، ومراميهم في المدافعة والحماية فلا يسعهم ذلك بالكلية، وإن ذهب منه ما ذهب، ويكونون على رجاء من مراجعة الأحوال التي كانت للجيل الأول أو على ظن من وجودها فيهم.
ثالثا: ثم تأتي مرحلة الجيل الثالث الذي يعرف بجملة من الأوصاف لا تحمد عاقبة أصحابها، لكونهم ينسون تماما خصال الشجاعة والبأس ويستكينون إلى رغد العيش، ويتخلون عن واجباتهم في الدفاع عن بيضتهم، وفيهم يقول: وأما الجيل الثالث فينسون عهد البداوة والخشونة، كأن لم تكن ويتقدون حلاوة العز والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر، ويبلغ فيهم الترف غايته بما تبنقوه من النعيم وغضارة العيش، فيصيرون عيالا على الدولة، ومن جملة النساء والولدان المحتاجين للمدافعة عنهم وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة، عنهم وتسقط العصبية بالجملة وينسون الحماية والمدافعة، ويلبّسون على الناس في الشارة والزي، وركوب الخيل وحسن الثقافة، ويموهون بها. فإن جاءهم في الأكثر أجبن من النسوان على ظهورهم. فإن جاءهم المطالب لهم، لم يقاموا مدافعة، فيحتاج صاحب الدولة حينئذ إلى الاستظهار بسواهم من أهل النجدة، ويستكثر بالموالي، ويصطنع من يغني عن الدولة بعض الغناء حين يتأذن الله بانقراضها».
ويجزم العلامة ابن خلدون بصحة هذه النظرية، وعمومها في الغالب من الأحوال على الأمم والدول، فهو يذكر ذلك وبكل ثقة، ومستنده التجربة والعلم بأحوال الأمم الماضية، وبعلوم القرآن، وقصص الأولين ممن ذكرهم الله فيه فيقول: فهذه كما تراه ثلاثة أجيال، فيها يكون هرم الدولة وتخلفها ..وهذه الأجيال الثلاثة عمرها مائة وعشرون سنة، ولا تعدوا الدول في الغالب هذا العمر بتقريب قبله أو بعده ثم يضيف ابن خلدون، دليلا من القرآن يؤيد به نظريته، وهو قوله تعالى ﴿.. فَإِذَا جَآءَ اَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ النحل: 61.
والسؤال المطروح هو: هل أن ما ذكره ابن خلدون من المراحل الطبيعية الثلاث هو نهاية خلاصة فكرته، أم في رؤيته بقية تفصيل؟
والجواب هو: أن نعم فإن رجل تابع رحلته في حياة الدول والممالك، ليخلص إلى افتراض عكسي مفاده أن عدم سقوط الدول مع وصولها إلى سن الشيخوخة والهرم قد يكون سببه فقط عدم وجود المطالب، وهذا ما يعنيه بقوله: إلا إن عارض آخر من فقدان المطالب، فيكون الهرم حاصلا مستوليا والطالب، لم يحضرها، ولو قد جاء الطالب لما وجد مدافعا فعدم السقوط ناتج عن عدم وجود الطالب أو المطالب، ولا يعني بأي حال أن طول عمر الدولة علامة على صحتها وقوتها، بل العلامة الصحيحة للهرم والسقوط تكمن في القصور والعجز عن المدافعة.
وإن من سبر أخبار وتواريخ الأمم ودرس علاقات الشعوب، ووقف عند سنن الله في الخلق، يدرك صحة ما ذهب إليه ابن خلدون من التقسيمات والأجيال والعوارض التي تعتري الدول والمجتمعات.
المصدر: موقع الأستاذ مالك بن نبي
شاركنا بتعليقك