إسهامات

أيْ بُنيَّ، بُنيتي....

كلما اقترب الامتحان أراك، بني بنيتي، مشوش الذهن كثير الوُجوم، تغيب بنظراتك في بحر من الحيرة، والتساؤل، وربما الشكوك...، أراك كلما أزفت "لحظة الاختبار" تسبح بذهنك بعيدا عن شاطئ الأمان، والتركيز، والاطمئنان...، فأزدادُ أنا توترا لتوتُّرك، واهتزازا لقلقك واضطرابك...

إنني أجد نفسي مضطرا أن أتوارى عن أنظارك لأمسح دمعتي، وأهدّئ من روعي وحيرتي، لأني لا أملك لك من هذه المتاهة الكئيبة مخرجا أو منفذا، فأجدُني أفِر بقلبي ومعنوياتي إلى الدعاء والرجاء، وتجدُني، وربما في بعض الأحيان، أمارس الدُعابة والنكتة، إلى حد التهريج والتكلف، لا لشيء إلا لأني أودُّ أن أُزيح عنك غمامة الخوف من الامتحان، وجو الكآبة والتوجس من الاختبار....

بني، بنيتي: إنني الآن قد استجمعت شتات أفكاري، ورأيت أن أترك لك هذه الكلمات، على سطح مكتبك لتقرأها وأنت تخلد إلى النوم عشية الاختبار.

أي بني، بنيتي:

أنت: لست تساوي عندي كشف نقاطك، فأنت أعلى من كل علامة حمراء، وفوق كل ملاحظة بيداغوجية خضراء...

إن ما أقيس به تفوقك وازديادك في المعرفة: إنما مقدرا الجهد الذي تبذله، لا  قدْر النتائج التي تحصدها، فطمئنّي بجُهدك. وجَهدك، لأن كشف نقاطك لا يعني لي شيئا...

إنني لن أزيدك حُبا بنجاحك، ولن تصغر في عيني، لحظة حصد السنابل، بإخفاقك، بل سأزيدك حُبا كلما ازددت جهدا، وإن صنَّفتك أوراقهم وأحكامهم في زمرة الفاشلين..

إن اليوم الوحيد الذي ينبغي أن تَوْجل منه وترقُبه بادخار العمل الصالح: إنما هو يوم لقاء الديان، وأوان كشف الحُجب لحظة الحساب، أما ما عداها من أوقات وزمان، فهي من أيام الله: لا خوف عليك فيها ولا ضير، بل جهدٌ، وفعل، وثقة في رب الأسباب...

بُنيَّ، بُنيتي....

اعمل، ولا تدخر جهدا، ولا تنسى أن الحياة لا تستمع إلى "كشف النقاط" بل تنظر إليك أنت: في قوتك وضعفك، في علمك وجهلك، في جهدك وتقصيرك، في تعاونك وتفرُّدك.....

فاعمل ولا عليك، وإن صادفتك لحظة الاختبار في "دار الفناء" فاستفرغ جهدك ولا تنس أن تردد مع الحبيب المصطفى عليه السلام:

"اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا.."

المرجع: طه كوزي، صورة العصر، كتابك، ط2، 2016، ص82.

شاركنا بتعليقك