إسهامات

إن الصفات الوراثية تتناقل بين الأجيال، لذلك فإن الأشخاص كلما تقاربت زاد احتمال تشابه شيفرتهم الوراثية، فإن تزاوج قريبان كان احتمال إصابة الأبناء بالأمراض الوراثية أكبر، لأن احتمال سلامة الأبوين سيكون أقل، واحتمال حملهما لطفرات الوراثية أكبر، لاسيما إن كان ذلك امتداد لسلسلة من التزاوج بين الأقارب، من أجل ذلك يرى بعض الأطباء أنه يجب الحد من الزواج من الأقارب، فيما يرى البعض الآخر من الأطباء عدم ذلك، لأن إصابة الأبناء تبقى ظنية.

وإذا ما نظرنا نظرة علمية للمسألة فإننا سنرى:

أوّلًا: ليست كل العائلات تحمل طفرات مرضية، وإن كان العلم يثبت أن كل شخص يحمل (من 5 إلى 10 طفرات صاغرة)، لكن لا يجب أن تكون هذه الطفرات طفرات مرضية.

ثانيًا: ثم وإن كانت طفرة مرضية فليست كل الطفرات المرضية مؤذية بشكل يصعب العيش معها، فالطفرات أنواع: طفرات مؤذية وطفرات مفيدة وطفرات محايدة.

ثالثًا: ثم وإن كانت الطفرات مرضية ومؤذية إلا أنها قد لا يكون لها أثر ما لم يكن هناك محرض لها كالأمراض المتعددة الأسباب كالتي تنتج من اتحاد سبب وراثي مع سبب بيئي كالربو مثلا أي أن اجتناب العوامل البيئية تجعل المصاب بعيدا عن المرض، فمن كان يقطن في منطقة لا تحتوي على المحرضات الخاصة بمرضه، فلا خوف عليه من المرض.

رابعًا: ثم وإن كانت الطفرات مرضية ومؤذية وغير متعددة الأسباب فقد يكون الزواج من الأقارب مع تحقق المرض أفضل من الزواج من الغرائب، كما هو حاصل في المجتمعات المنعزلة أو ما يسمى بالانزياح الوراثي، (وهي تعني إدخال طفرة من قبل مؤسس واحد إلى مجموعة سكانية صغيرة منعزلة، ثم حدوث تكاثر سريع في عدد السكان، إضافة إلى زواج الأقارب في بعض الأماكن مما يعطي الظروف المثالية لانتشار وظهور الأمراض الوراثية) ولعل هذا الرسم يوضح هذه الفكرة:     

ففي هذا المثال نرى مجتمعا فيه ثلاثة أسر من 6 عائلات، ولا تحمل مرضا معينا إلا شخص واحد من العائلة (الداهن)، فإن هذا المجتمع الصغير عندما تزاوج من بعضه، أدى ذلك إلى نقل المرض من عائلة الداهن إلى عائلة الصائد، أي أن المرض في مثل هذه المجتمعات إن تحقق وجوده فالأفضل حصر المرض في العائلة المصابة صيانة للمجتمع من هذا المرض، كما يفعل مع الطاعون إذا دخل قرية ما.

وفي ختام هذا المقال نجد أن الطب يؤكد على تناقل الصفات الوراثية ومنها الأمراض، إلا أنه لا يتيقن إصابة الأبناء بالمرض إلا في حالة إصابة الوالدين، ثم وإن تيقن فقد تقتضي المصلحة الصحية العامة لزواج من الأقارب، إن لم يتيقن فقد لا تحمل العائلة مرضا ما، وإن حملت فقد لا يكون مضرا، وإن كان مضرا فإن إصابة الأبناء تكون ظنية على حسب حال طفرة الوالدين،أي قد لا ينتقل المرض وقد ينتقل باحتمال يتراوح ما بين 25 و50 بالمئة ولعل كل هذه الاحتمالات هي السبب في الاختلاف بين الأطباء في نظرهم لقضية الزواج من الأقارب، إلا أنهم جميعا يرون ضرورة إجراء الفحوصات الطبية إذا ما أراد أحدهم الزواج من قريبته، بل ومن غيرها، ليتجنب ذلك الزواج إن كان احتمال الإصابة بالمرض موجود، فيضمن سلامة أبنائه.    

-بتصرف-

المصدر: كتاب الزواج من الأقارب من منظور الشريعة الإسلامية وعلم الوراثة، عبد الله الصديق، ص 49 - 53.

شاركنا بتعليقك