كان نجيب آخر من دخل إلى حجرة الاجتماع، فوجد أبويه يتحدثان عن الحالة المادية للأسرة، وعن دخل الأب، ونفقة البيت فسلم وجلس، وكان يود أن يعرف شيئا عن أحوالهما المالية، فإنه لم يسمع منهما شكاة طوال عمره القصير ولم ير منها إلا ما ينبئ عن الرضا والقناعة، ولم يجر على لسانيهما إلا الحمد لله على النعمة، فلما اطمأن به المجلس قال: يبدو إن سمرنا الليلة سيتناول موضوعا جديدا هو الجانب المادي من حياة الأسرة، فالتفتت إليه الأم قائلة: لماذا تتعجل الحديث عن المادة يا بني؟ نحن لم نستوعب الحديث عن الروح، أعني إننا لم نستوعب النقاش عما يتعلق بالعقيدة والدين، فلقد من الله عليك يا ولدي بنعمة الحياة، ورزقك العقل السليم في الجسم السليم، حتى بلغت سن الرشد، ودخلت مرحلة الرجولة، وأن أوكد ما تهتم له الآن، وتشغل به نفسك، إنما هو شكر الله على نعمته عليك، وشكر الله على نعمته لا يتأتى إلا بالإيمان به، ومعرفة طرق عبادته، والعمل بما يرضيه، ولقد حدثك أبوك في الأسمار السابقة عن ركيزتين من ركائز الإيمان، ولا يزال السمر لم يتناول الركيزة الثالثة.
قال نجيب: تعنين يا أماه الإيمان برسالة محمد؟
قالت الأم: نعم أعني الإيمان برسالة محمد ﷺ وهي الجزء الثالث، أو الركن الثالث، أو الركيزة الثالثة، التي لا يتم الإيمان إلا بها، فإن الإنسان الذي يؤمن بالله ويصدق بمحمد ولكنه يكذب بما جاء به محمد هو مشرك أيضا، فالإيمان بالله والتصديق برسالته وإنها حق من الله هي الركائز الثلاث التي لا يقوم الإيمان إلا عليها، ومن أخل بواحدة منها بقي على الشرك.
قال نجيب: فعلى ماذا تشتمل رسالة محمد؟
قال الأب: بالإضافة إلى الإيمان بالله ومعرفة توحيده وإلى معرفة محمد والإيمان بأنه نبي الله ورسوله وأنه خاتم النبيين والمرسلين فإنه يجب الإيمان بحقائق أخرى تشتمل عليها رسالة محمد كما تشتمل على الحقائق السابقة.
قال نجيب: ما هي هذه الحقائق يا أبي؟
قال الأب: أن تؤمن بأن الموت حق.
قال نجيب: وهل يوجد من يكذب بالموت؟ إنها الحقيقة الظاهرة التي نشاهدها كل يوم، وهذه الحقيقة يجب أن يؤمن بها الناس ولو لم يدع إليها الأنبياء عليهم السلام.
قال الأب: إن دين الله يا بني لم يطلب من الناس إلا الإيمان بالحقائق؟
قال نجيب: في إمكاني أن أستنتج إن كنت لا أجزم بصحة استنتاجاتي.
قال الأب: هات ما وصلت إليه من استنتاج.
قال نجيب بعد تفكير: إن الناس ينتهون إلى الموت طالت أعمارهم أو قصرت، دون أن ينالوا ما قدموه من خير أو شر.
قال الأب: وماذا أيضا؟
قال نجيب: أعتقد أن الناس لم يخلقوا سدى فكل عمل لابد أن يكون له جزاء يناسبه.
قال الأب: حسنا وماذا تبني على ذلك؟
قال نجيب: لقد لاحظت أن الله عز وجل لا يجازي الناس على أعمالهم كل الجزاء في الحياة الدنيا.
قال الأب: وكيف لاحظت هذا؟
قال نجيب: رأيت كثيرا من المشركين والأشرار والظلمة، يعيشون في هذه الدنيا عيشة راضية لا يظهر فيها انتقام الله منهم.
قال الأب: هذا صحيح ثم ماذا؟
قال نجيب: ورأيت كثيرا من الأخبار والصالحين يبتلون بأنواع من البلاء ولا يظهر جزاء الله لهم على أعمالهم الخيرة.
قال الأب: وماذا تستنتج من هذه المقدمات الكثيرة؟
قال نجيب: استنتج منها أن الحياة دار عمل فقط أما دار الجزاء فتكون بعد الموت وفيها يجازى الناس على قدر أعمالهم من خير أو شر.
قالت الأم: ولكن كيف ينال الناس جزاءهم على أعمـالهم وهم قد ماتوا؟
قال نجيب: يبعثهم الله بعد الموت فيحاسبهم على أعمالهم ويجازيهم عنها والله الذي خلقهم من العدم قادر أن يبعث فيهم الحياة من جديد.
قال الأب: ذلك هو حقيقة ما تدعو إليه الأديان جميعها، ومما اشتملت عليه الركيزة الثالثة من كلمة الشهادة التي يدعو إليها رسول الله ﷺ أن يعرف المسلم: أن جميع المخلوقات سوف تفنى وأن الناس جميعا سوف يموتون، وبعد أن تنتهي الحياة على الدنيا يبعث الله الناس من جديد فيحاسبهم على أعمالهم في الدنيا ويجازي المؤمنين المحسنين بالخلود في الجنة ويجازي المشركين والكافرين بالخلود في جهنم.
قالت الأم: أنت تقرأ التشهد كل صلاة.
قال نجيب: نعم إني أقرا التشهد في الصلاة الرباعية والثلاثية مرتين واقرأ في الصلاة الثنائية مرة واحدة.
قالت الأم: وتقرأ في آخره الجمل الآتية: أشهد أن الموت حق وأن البعث حق وأن الحساب حق وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.
قال نجيب: نعم إنني أقرأ هذه الجمل في التشهد الأخير من كل صلاة، فريضة بالحياة الأخرى كما بينها الإسلام.
قالت الأم: ها أنت يا ولدي تشهد عدداً من المرات في اليوم أنك مؤمن بالحياة الأخرى كما بينها الإسلام.
قال نجيب: صحيح ما تقولين يا أماه فإني مؤمن بهذا مقر به وهل يستطيع إنسان يفكر تفكيرا سليما أن ينكر هذا! على أن الدروس التي تلقيتها في المدرسة وإرشاداتكما أنت وأبي في كثير من المناسبات، وما أسمعه من أحاديثكما الشيقة في مواضيع الإيمان، كل هذا قد عرفني بكثير مما يأمر به الإسلام ويوجبه من قول وعمل.
قال الأب: وعلى هذا فقد قامت عليك الحجة بالطريقين.
قال نجيب: ماذا تعني بكلمة الطريقين يا أبي؟
قال الأب: أعني أن الحجة قامت عليك بطريق العقل وبطريق السمع.
قال نجيب: هذا إذا كانت استنتاجاتي عقلية..
قالت الأم: يحسن بنا أن ننقل المناقشة إلى بقية المواضيع التي يجب الإيمان بها مما تشتمل عليه رسالة محمد.
قال الأب: وهو يبتسم: إنني غير مستعد أن أواصل معكما النقاش؟
وقالت الأم وهي تنظر إلى زوجها في قلق: لعلك مرهق؟
قال الأب وهو لا يزال يبتسم: ما بي تعب ولست مرهقاً، ولكنني لم أر الموقد ولا إبريق الشاي كما تعودنا في الأسمار السابقة فضحكت الأسرة وقامت الأم وهي تقول: ما أهون ما تطلبه أيها الزوج المدلل!..
بعد دقائق عادت تحمل الموقد والإبريق وثلاثة أكواب فارغة ووضعت الجميع أمامها ثم قالت: بعد دقائق قليلة سيكون الشاي جاهزاً.
قال الأب: في إمكاننا أن نستمر في حديثنا دون أن ننتظر الشاي.
قال نجيب: فما هو الموضوع الذي نبدأ فيه الحديث؟
قالت الأم: إنك شهدت يا ولدي أن ما جاء به محمد حق.
قال نجيب: نعم يا أمي إني آمنت بذلك وأقررت به.
قالت الأم: بقي عليك أن تعرف كيف وصل هذا الحق إلى محمد.
قال نجيب: أود أن تشرحي لي ذلك يا أماه.
أفرغت الأم الشاي وناولت كوبا لزوجها وكوبا لولدها ثم قالت: إن أباك بعد أن تناول كوبا من الشاي وسرت الحرارة في أمعائه يحسن به أن يتولى النقاش معك في هذا الموضوع الهام.
فاتجه نجيب إلى أبيه وقال: إنني على استعداد للسماع والفهم يا أبي. قال نجيب: أن أمك غفر الله لها تخلط الجد بالهزل لكن ذلك لا يمنعنا من قبول أوامرها.
قالت الأم: معاذ الله أن أصدر إليك أمراً أيها الزوج الحبيب، فأنت القوام على هذا البيت، ولك فيه الأمر، وعلي السمع والطاعة.
قال الأب: أن اقتراحاتك ورغباتك تنفذ دون مناقشة، وذلك لما تحمله دائما من حق وصواب.
وأرادت الأم أن تتكلم فسبقها نجيب قائلا: متعني الله بحياتكما، إنكما لمثل أعلى لما يكون عليه زوجان متحابان، وأبوان كريمان شريفان، ثم اتجه إلى أبيه وقال: كيف وصلت الرسالة إلى سيدنا محمد. يا أبي؟
...
المصدر: كتاب سمر أسرة مسلمة. تأليف: علي يحي معمر ص55-60.
شاركنا بتعليقك