يعرف «بعين الأوقات» منبع مائي طبيعي تزخر به ولاية جيجل وقرة عين السكان والسياح الوافدين عليه بالملايين سنويا وخصوصا في الفترة الصيفية مصدر كبير للثروة المائية الصحية الاخضرار الدائم والتنوع البيئي الذي يمنح الزوار أوقاتا رائعة من المتعة والهدوء.
إنه «منبع العيون» مياه عذبة تتدفق من الصخور 15 دقائق لتتوقف تدريجيا 40 الى 50د أخرى لتبقى الظاهرة تكرارا ومرارا هكذا. يقع جنوب بلدية سلمى بن زيادة على بعد 23 كلم من بلدية تاكسانة يتواجد بالتحديد في ضواحي مرتفعات مشتة العيون 3500م على الطريق الولائي رقم 137 بالقرب من الضفة الشمالية لوادي جن جن. وموقع المنبع الطبيعي يثير فضول الزائرين لاكتشافه ويشدهم إليه قوة فيضانه وانقطاعه بشكل تدريجي بالإضافة إلى ما يزخر به من كنوز وعجائب وأساطير يعود زمنها إلى الإنسان الأول الذي سكن مغارات المنطقة في حقبة ما قبل التاريخ.
إن موقعها بين ساحل البحر وطريق الحرير القديمة من جهة سطيف جعلها منذ العصور الأولى مقصدًا للمسافرين ينزلون عندها للشرب والتزود من مائها الطبيعيّ العذب ولذلك كانت القبائل الكتاميّة تعدّها من أهم المعالم الطبيعية لا تفسير علمي دقيق لتدفق المياه من الصخور لدقائق حيث لم يتوصل العلم لغاية الآن إلى تقديم تفسير مقنع لسبب تدفق الماء لفترة زمنية واختفائه لمدة أخرى.
زار هذا المكان عدة باحثين حيث أكد عبد المالك بغداد أستاذ الجيولوجيا بجامعة جيجل بأنه لم يتم إلى غاية اليوم تقديم تفسير دقيق للظاهرة التي تحدث بالمنبع، مضيفا بأن مياه المشاكي تنزل من أحد التشققات عند سفح جبل المائدة الذي يوجد على ارتفاع 823 مترا ويعود عمر هذا الجبل إلى العصر الجوراسي كما أن طبيعة الكتلة الجبلية تشكلت من الضباب الترياسي وهي تتألف من الصخور الرسوبية وأصبحت عبارة عن صخرة عملاقة انقسمت إلى كتل صخرية صغيرة وأوضح الأستاذ بأن: ”المنبع المائي له تدفق خاص جدا، حيث يبدأ الماء بالتدفق بوفرة من خلال الكسر وبعد مدة زمنية يقل التدفق، آخذا في التناقص تدريجيا وبعد فترة من الوقت يتوقف تماما، وبعد أربعين دقيقة تقريبا يعود التدفق بغزارة ليتوقف بعد عشر دقائق”.
وأشار الأستاذ إلى احتمال أن يكون لهذه الظاهرة علاقة بالسياق الجيولوجي للمنطقة والحركات التي وقعت على مستوى الأرض وشرح ذلك قائلا: ”هذه المنطقة تعرضت لنشاط تكتوني كبير له علاقة بالفوالق والصدوع التي مست أغلب الكتل الصخرية على غرار جبل المائدة مما أدى إلى تشكل عدة تشققات وكسور كان لها الدور الكبير في تسهيل حركة وجريان المياه بالإضافة إلى طبيعة الصخور، فجبل المائدة يتشكل من صخور رسوبية خاصة منها الكلسية التي تحدث فيها تفاعلات كيميائية بفعل جريان المياه، ومن بين هذه التفاعلات عملية الانحلال التي تمس الصخور الكلسية مما يؤدي إلى تشكل تجاويف مغارات وكهوف إضافة إلى أشكال أخرى مثل النوازل و الصواعد، هذه الظاهرة تسمى "الظاهرة الكارستية".
حسب الأستاذ بغداد فإن التفسير الذي يمكن أن نعطيه لهذه الظاهرة مرتبط بالتجاويف والكهوف الموجودة على مستوى جبل المائدة فهذه الأخيرة بكثافتها وأشكالها تسمح بالتحكم في جريان المياه الجوفية وإعطائها إيقاع معين واعترف الأستاذ بانعدام دراسات معمقة حول المنبع كما دعا مختلف الباحثين لتكثيف حملات الاستطلاع الجيولوجي للمكان الخرافات التي تدور حول هد المكان وأن مائه مبارك ويشفي العقم ويزوج العزاب والعازبات ويشفي المرضى خرافات لا أساس ورغم ذلك يقصده الملايين سنويا من أجل ذلك ليبقى هذا ظاهرة أو بعبارة أخرى إن صح التعبير معجزة حيرت الجميع.
-بتصرف-
المصدر: موقع جريدة الشرق اليوم.
شاركنا بتعليقك