يقول المثل الصيني:
"إذا أردتَ أن تحصد بعد شهور، فازرع قمحًا، وإذا أردت أن تحصد بعد سنوات فازرع شجرًا، وإذا أردت أن تحصد بعد جيل فازرع رجالًا".
منذ مطلع الرسالة المحمدية نجد النبي صلى الله عليه وسلم يوزع وقته في خدمة الدين، ما بين الدعوة إليه والعناية بأتباعه لتنشئتهم قادةً وقدوات للمسلمين الجدد، كثيرون أولئك الدعاة والقادة الذين يحرصون على الكم على حساب الكيفية في كل زمان وفي كل ميدان، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان في قمة التوازن بين الكم والكيف، فتراه يعتني بكل فرد من أصحابه عناية خاصة ويوجهه إلى الميدان الذي يتلاءم مع تكوينه النفسي والشخصي، حيث وجه بعضهم ليكونوا قدوة في التجارة، وبعضهم قدوة في الحرب، وآخرين قدوة في السياسة أو العمل الاستخباراتي أو حتى العمل الإنساني أو الاجتماعي والأخلاقي.
وقد اهتمَّت الشريعة الإسلامية برعاية جميع المجتمعات الإنسانية عموما؛ وأولت عناية فائقة للمواهب التي يتمتع بها بعض الأفراد خصوصًا، وعملَتْ على تنميتها وتقويتها، ليكون هؤلاء الأفراد النابغون قدوةً للناس في فعل الخير والدلالة عليه، ورموزًا في الاستقامة والصلاح والعطاء، وأداةً فاعلةً ومؤثِّرَةً في إصلاح المجتمع وتقويم سلوكه وتصويب قيمه وأفكاره.
والمتمعن في منهج النبي ﷺ في صناعة الرجل القدوة يلحظ مجموعة من السبل الدقيقة والحكيمة التي توصل الإنسان إلى أن يكون قدوة حسنة وإنسانًا يتمتع بأعلى صفات الكمال، وسنعرض هنا مجموعة من تلك السبل النبوية على شكل نقاط:
1. تهيئة البيئة والصحبة الصالحة: كانت دار الأرقم بن أبي الأرقم، أعظم مدرسة للتنشئة التربوية لإعداد الرموز
2. الاهتمام بتنوع الأجيال في المجتمع الواحد: أنشأ النبي ﷺ ثلاثة أجيال من القدوة، الأول منهم كان ركيزة الدولة (وهو جيل الشيوخ)، والثاني كان فيه مستقبل الدولة القريب وجنودها المخلصون وحملة رسالتها، وهم الذين نقلوا الدين والحضارة وحملوا الأمانة خمسين سنة أخرى (وهو جيل الشباب)، وجيل (الناشئين) الذي حملها إلى نهاية القرن، وقد خرَّج كلُّ جيلٍ من هذه الأجيال جيلًا لاحقًا قادرًا على حمل أمانة الدين الإسلامي التي شملت كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للأمة المسلمة.
3. مدح أصحابه بخير ما فيهم: وهو إشهار المتميزين والمؤهلين للقدوة والقيادة بخير ما فيهم، فقد كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يمدح كل صحابي بخير ما فيه ليعتني بما وهبه الله من مكارم وليكون قدوةً لغيره في هذه الخصال
4. الرفق بالنصح: مما تميز به منهج النبي ﷺ في تنشئة الجيل الرفق بالنصح، وحرصه على أن يعي المقابل ما يرشده إليه ليكون على قناعة تامة به، وهذا ما يكشف خطأنا في تعليم طلابنا بالقسوة والصراخ والضرب كما هو الحال في بعض المناطق الإسلامية، وإن هذا لا يعني أبدًا أن نتخلى عن القسوة والعقوبة، ولكنه يعني ألا نجعل القسوة منهجًا تربويًّا.
5. إرشاد المجتمع إلى تقدير أهل السيادة:
على المجتمع أن يعرف لأهل السيادة والفضل والقدوة قدرهم، وعلى المربين أن يعلموا الناس الحفاظ على هذا الاحترام لينتظم المجتمع ولا تسوده الفوضى، فقد يخطئ القدوة إذ هو بشر، ولكن لا ينبغي لهذا الخطأ أن يدفعنا لإغفال فضله.
6. منحهم الثقة الكافية لينموا مهاراتهم: من الاستراتيجيات التي نجدها في السنة النبوية منح المتميزين من الصحابة الثقة وفسح المجال لهم لتطوير مهاراتهم وخصالهم الحسنة التي سيورثونها للناس من بعدهم.
7. الاستماع لهم وتقدير آرائهم:
بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع قادة المجتمع وقدواته كان يستمع لآرائهم وأفكارهم حول المواضيع المختلفة، ويستشيرهم فيما يعرض لهم من الأمور، فكان دائمًا يقول: "أشيروا عليَّ أيها الناس" ينتظر منهم أن يفكروا ويعبروا عن أفكارهم بصراحة ووضوح، ليكون هذا الأمر منهجية حياة للمجتمع المسلم، ولا يكون مجتمعًا متمحورًا حول آراء شخص واحد مستبد في كل صغيرة وكبيرة فيما يحسن وما لا يحسن.
لا نستطيع أن نصنع قدوة حسنة في ظل الخوف والاستبداد وتقزيم الإنسان والاعتداء على كرامته، إذ الإنسان القدوة يحتاج إلى الكرامة الإنسانية أولا حتى يستطيع تأدية مهمته في الحياة بمهنية وأخلاقية سامية.
8. توجيههم إلى تحصيل أنواع من العلوم والمعارف: إن من أهم ما يميز القدوة الحسنة إضافة لأخلاقه وحسن سلوكه العلم، فيكون قدوة لمن حوله وهاديًا لهم ومنقذًا من الجهالة، وقد حرص النبي ﷺ أيما حرص على حث صحابته الكرام على التعلم، ليكونوا قدوة في العلم كما هم قدوة في الدين والأخلاق، فحرص من مطلع تأسيس الدولة المسلمة أن يتعلم الناس صغارًا وكبارًا، فجعل فداء الفقراء من أسرى بدر تعليم أطفال المسلمين القراءة والكتابة، وحث زيد بن ثابت على تعلم اللغة، وحث عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين على تعلم كثير من الوصفات الطبية، وطلب عائشة لمشاهدة الأحباش في المسجد لتتسلى وتنقل لمن بعدها أساليب حربهم، ودربها على الفتيا حتى غدت مخزنًا من مخازن العلوم الإسلامية، ودعا لأبي هريرة بقوة الذاكرة فكان إذا سمع حديثًا لم ينسه، وكان حَثُّهُ على العلم شاملًا صحابته الكرام كلهم رضوان الله عليهم أجمعين.
ومما سبق فإننا مطالبون اليوم بنشر الوعي بقضية التربية الصالحة وصناعة القدوة وفق أسس علمية صحيحة مستندة إلى توجيهات الشرع الحكيم، والتجارب العلمية المعاصرة أو السابقة التي وردتنا عن أسلافنا.
-بتصرف-
المصدر: موقع المجلس الإسلامي السوري
شاركنا بتعليقك