إسهامات

عرف الإسلام أهمية ترشيد الاستهلاك منذ بدء هذه الرسالة السمحة، فدعا أبناءه إلى اتخاذ الترشيد منهاجا لحياتهم، وجعله أحد أهم السلوكيات الحياتية، والقيم الاقتصادية التي لا غنى عنها للمسلم إذا أراد أن يستن بالهدي القرآني والمنهج النبوي.

وفي الاقتصاد الوضعي يستهدف الاستهلاك تحقيق المنفعة للفرد، دون النظر إلى كونها مشروعة أو غير مشروعة، وبالتالي فللفرد الحرية التامة في توزيع دخله بين السلع، حسبما يروق له، دون قيود، أو حدود، أو دون تدخل من أحد، وبغض النظر عن كون هذا الاستهلاك ترفيا أو غير ترفي، مبدّدا للموارد أو غير ذلك.

وبالتالي، لا يقف الاستهلاك عند حد معين، بل يتعدى ذلك للوصول إلى أكبر قدر ممكن من لذات الدنيا، وهذا يؤدي إلى فرط الإنتاج الكمالي، ويصبح الفرد لاهثا وراء النزوات والشهوات، وتكون النتيجة أن يصبح المجتمع «مجتمعا استهلاكيا»! أما الاقتصاد الإسلامي فإنه يحمل طابع الوسطية؛ ولذلك شنّت الشريعة الإسلامية حربا عنيفة ضد الذين يضيقون على أنفسهم، ويبتعدون عن نعم الله، ويحرّمون المباحات، بدعوى الزهد والتبتل والبعد عن مفاتن الدنيا وزخارفها، علما أن الله تعالى قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا النساء: 160.

 1. الترشيد عبادة:

 وهكذا عدت الشريعة الاستهلاك المنضبط بضوابط الشريعة تقربا إلى الله سبحانه؛ حيث عدته نوعا من أنواع العبادة، واستجابة لنداء الحق تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ البقرة: 172.

فالاستهلاك المنضبط هو في الواقع استجابة لأوامر الله، مع الشكر الخالص لله سبحانه، دليل ذلك ما ورد في مسند أحمد، قول الرسول ﷺ: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".

المهم في المسألة ألا يصبح الاستهلاك أمرا ترفيا، ولا يؤثر على سلوكات المجتمع وأخلاقياته، كأن يصبح للتفاخر والتباهي؛ ومما يؤسف له أن هناك توجها واضحا لتوجيه حركة الاستهلاك، وذلك من خلال إيقاظ حاجات جديدة لدى الناس تتناسب مع المعروض للبيع! بل هناك ما هو أسوأ؛ حيث يتم تصنيع سلع تتلف بسرعة، مما يضطر المستهلك لشراء البديل عنها.

 2. التنعم بالاستهلاك:

 وفي الواقع فإن كل المخلوقات التي أوجدها الله في هذا الكون ما وجدت إلا من أجل التنعم باستهلاكها، مع الانتفاع بها، وهذا ما يحث عليه الجانب الاقتصادي في الإسلام؛ حيث يعلن عن هدف الاستهلاك بأنه «التنعم بمناهج الحياة، والترفيه عن النفس في الإطار السوي المستقيم، وضمن الاعتدال والتوازن»، وعلى حد تعبير العالم المصري البهي الخولي، فإن منطق ثقافة الروح يقضي أن هذا الكون وخيراته ظاهرة وباطنة ما أودعت فيه إلا لمقاصد جليلة، أرادها الخالق العظيم، ومنها أن يقوم الإنسان بعمارة هذا الكون بالصورة المثلى، ومن ذلك استهلاكه لهذه الخيرات.

مصداق ذلك قوله -سبحانه- في معرض الحديث عن ضوابط الاستهلاك: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ الأعراف:31.

هذا فضلا عن أن يكون هناك توازن بين المنفعة الفردية وبين منفعة المجتمع، مصداق ذلك قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ   لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ المعارج: 24-25.

يتبع هذا المقال في الومضة المقبلة: ضبط الاستهلاك تقرب إلى الله (2).

-بتصرف-

المصدر: موقع مجلة الفرقان

شاركنا بتعليقك