الشورى فضيلة تطابق العقل والنقل على حمدها، وصدقت الأيام عظم جدواها وحسن عقباها، قال بشار:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن برأي نصيح أو نصيحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة فإن الخوافــي قوة للـقـوادم
فما خير كف أمسك الغل أختها؟ ومنا خير سيف لم يؤيد بقائم
وأدن على القربى المقرب نفسه ولا تشهد الشورى امرءاً غير كاتم
وقد عرفنا أن رسول الله ﷺ كان يستشير، وكان ينزل عن رأيه إلى رأي أصحابه مادام الصواب قد ظهر إلى جانبهم.
وطبيعة الشورى أن تكون في أمور تتفاوت العقول في إدراكها ووزن ما يرتبط بها من نفع أو ضرر، وما يتمخض عنها من نتائج دقيقة أو جليلة.
وفي الشئون التي يصح للجماعة أن تختار ما تميل إليه من أطرافها المتقابلة تقرر الكثرة أو القلة الرأي الأخير، وميدان هذه الشئون فسيح.
غير أن هناك أمورا أخرى لا صلة لها بهذا الميدان، ولا مكان فيها للشورى.
فحقائق العلوم ليست موضع جدل تغلب فيه الكثرة وتتأخر القلة، وقديما رأى أحد علماء الفلك أن الأرض كروية الشكل فنازعه الجمهور من رجال الكنيسة وحكم بقتله.
وقواعد الدين ليست موضع أخذ ورد كذلك، فما قال فيه الوحي كلمته وجب قبوله من غير توقف، وجميع المواقف التي استشار فيها الرسول ﷺ صحابته كانت مما يتناوله الاجتهاد العام.
لقد تعلم المسلمون من دينهم أن طغيان الفرد في أمة ما جريمة غليظة، وأن الحاكم لا يستمد بقاءه المشروع، ولا يستحق ذرة من التأييد، إلا إذا كان معبرا عن روح الجماعة ومستقيما مع أهدافها.
ومن ثم فالأمة وحدها هي مصدر السلطة، والنزول على إرادتها فريضة، والخروج على رأيها تمرد، ونصوص الدين وتجارب الحياة تتضافر كلها على توكيد ذلك.
فمن المستحيل أن ينسى المسلمون منطق دينهم، وعبر تاريخهم، وأن يرضوا ساعة من نهار بانقلاب الأوضاع الدستورية وعودة لون من الحكم البغيض، إذا لم يكن عنوانه القوانين العرفية والأوامر العسكرية، فإن حقيقته هي هي سواء بسواء.
وأخطأ من المفسرين من وهم أن الشورى غير ملزمة، فما جدواها إذن؟ وما غناؤها في تقويم عوج الفرد إذا كان من حقه ألا يتقيد بها؟ وأين في حياة الرسول وسيرة خلفائه ما يدل على أن الحاكم خرج على رأي مستشاريه ومضي في طريقه وحده؟
ربما استشهد بعضهم بموقف أبي بكر في حرب الردة واعتراض بعض الصحابة له في قتاله من نطق بالشهادتين -ومن بينهم عمر بن الخطاب- و إصرار أبي بكر على موقفه، ويمينه التي أقسمها على قتالهم إلى النهاية.
وهذا استشهاد يرد في غير موضعه، فقصة أبي بكر مع المرتدين وما نعي الزكاة لا تعني إلا أنه عرف الحق قبل عمر ثم ما لبث أن أقنع به صاحبه فأيد وجهة نظره، واتفقا جميعا على تنفيذها، وخطأ عمر في موقفه ابتداء مع المرتدين كخطئه بعد وفاة الرسول حين أنكر موته وتوعد من يقول به، ثم ثاب إلى الحقيقة التي قررها أبو بكر في يقين وتؤدة.
والديمقراطية الحديثة تخضع الحاكم لرأي الكثرة وتمنع السلطة التشريعية من التدخل في شئون السلطة التنفيذية المحضة، فإن كان الذين يريدون إطلاق سلطة الحاكم عن دائرة الشورى يعنون ذلك فلا حرج عليهم وإلا فكلامهم لغو لا يعتد به.
وهذا بحث نظري مبتوت الصلة بالحياة الواقعة في بلاد الإسلام اليوم، فإن الحكم المطلق الذي ظهر في الغرب كان يستند إلى جمهور ضخم من المؤيدين والأنصار المتحمسين.
إن هتلر، وصل إلى الحكم عن طريق الشعب نفسه ثم تحول بعد ذلك إلى دیکتاتور، وكذلك فعل كثيرون من الحكام المستبدين هناك.
أما عندنا فالحكام يظهرون فجأة "كالنبات الشيطاني" لا تعرف كيف ظهر ولا من تعهده؟
وتنام الشعوب ليلها، وتصحو نهارها، وهي ترمق حكامها كما يرمق المحزون القدر الغالب، أو كما يحمل المفجوع المصيبة الفادحة.
وقلما تألفت حكومة ينظر إليها الشعب كما ينظر الإنسان إلى المرآة فيجد فيها صورته، حتى أصبح الشذوذ قاعدة، وحتى أصبح العامة يستغربون العدالة ويألفون المظالم.
وطالما كنت في طفولتي أستمع إلى الخطباء أيام الجمع وهم يدعون الله أن يولى أمورنا خيارنا، ولا يوليها شرارنا، وألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وأن يحسن خلاص المسجونين !! -يعنون ضحايا الاستبداد لا معتادي الإجرام- .
كانت هذه الدعوات تقارن الدعاء بالمغفرة والتطلع إلى الرحمة العليا كأنما أصبحت مصائب الحكم تساوي خطايا الأفراد كلاهما في حياة الناس ضربة لازب.
المصدر: كتاب الإسلام والاستبداد السياسي، د. محمد الغزالي، 57-61.
شاركنا بتعليقك