لا يمكن الحديث عن تخزين تمر جاف مثل "الدﭬـلة البيضا"، فهو قابل للتخزين في حالته في أي وعاء بعيدا عن الحشرات والدواب المتلفة، إلا أن التمر الرطب وشبه الرطب يتطلبان معاملة خاصة.
مبدأ التخزين "تجنب الجيوب الهوائية":
إن الفرز بعناية والكبس "أرقَّد" شرطان أساسيان في عملية التخزين التقليدية، وكل جيب من الهواء، وكل تمرة متلفة قد تسبب تعفنا. ينبغي أثناء الفرز إبعاد كل شيصة "أداون"، لأن هذا التمر غير المؤبر له جیب من الهواء عوض النواة وقد يكون سبب عدوى، هذا الأمر يسري كذلك على بعض التمر الذي له من ظاهره شکل حسن ولكنه قد بدأ يختمر في باطنه، ويمكن تمييزه من خلال تماسكه العجيني ورائحته الخاصة.
وعليه، وليكون التمر قابلا للتخزين ينبغي أن يكون طريا بما فيه الكفاية حتى يُكبس "أرقَّد" دون أن ينطوي على رطوبة زائدة تسبب في إفراز الدبس "تامـمت" القابل للتخمر.
يغمس التمر الطري أولا لبضع ثوان في ماء مغلي مملح (تضاف حوالي ملعقتين ملحا إلى كل لتر ماء) لتخليصه من الهباء العالق به، ثم ينشر لنصف ساعة لينشف قبل تعبئته، أما الغلالة الرقيقة التي يتركها الملح فإنها تبعد الحشرات.
يصعب تخزين التمر شبه الرطب في حالته، لذلك فهو يُلين بغمسه في ماء ساخن من أربع إلى خمس دقائق، ثم ينشر لعشر دقائق لتنشف قشرته الخارجية قبل تخزينه.
إن الكبس "أرقَّد" عملية تنفرد بها النساء، وخلال فترة التخزين فإن النساء السمان يُطلبن لقوتهن ويستدعين إلى طعام فاخر كعربون شکر.
ثلاثة أنماط تخزين تقليدية:
تستعمل في مزاب ثلاثة أوعية لتخزين التمر تقليديا:
1. "باجو":
وهو بمنزلة حوض صغير يبنى ويتراوح عرضه بين نصف المتر والمتر وعمقه متغير وهو مخزن غلال حقيقي في البيت، وقد يحتوي على قناطير عديدة من التمر. يُدهن بالجير لتطهيره ثم يملئ بالتمر الذي يكبس تدريجيا، ثم يغلق بإحكام بواسطة قطعة جلد مغطاة بالجبس. إنه المخزون الذي لا يُفتح إلا في أوقات الأزمة. إنه بمنزلة خزنة في بيوت الملاك الأغنياء، وفي المسجد الذي يتلقى العطايا من التمر ليعيد توزيعها على مدار السنة على الفقراء، ولقد سمعت أن "باجو" قد يخزن تمرا لأكثر من ثماني سنوات.
2. "تخابیت":
وهي الخابية، جرة من الفخار ذات حجوم مختلفة من 15 إلى 150 لتر، وتستعمل لتخزين لمدى متوسط لاحتياج العائلة. تملؤ هذه الجرار بتمر يكبس بشدة ويغلق بالجبس، وتفتح أسفله كوة صغيرة لصرف الدبس "تامـمت". تحدد هذه الجرار حسب مدة تخزين التمر الذي تحويه، وتفتح تباعا شيئا فشيئا.
3. "لبطانت":
تستعمل "لبطانت" وهي کيس من جلد الماعز، و"تغرارت" كيس من الكتان، لتخزين التمر للمدى القصير أو للتسويق لأن تناولهما سهل. من ميزة حجم الكيس الكتاني أنه يتكيف حسب طلبات التسويق، وهو ما لا يوفره الكيس من جلد الماعز، وهذا النوع من التخزين يلائم صنف "إغس اوتشيضن" وهو صنف طري يكبس بسهولة. بما أن الدبس "تامـمت" يستمر في الارتشاح عبر الجلد أو القماش، فإنه يثقب أسفل الكيس بمسلة لتسهيل صرفه، وتنثر طبقة من التراب ليمتصه تنفذ هذه العملية وتكرر حتى تنشف "لبطانه" جيدا.
ترتيبات ذوقية وعطرية أثناء التخزين:
مهما كان الوعاء، فإن التمر يوضع في طبقات رقيقة مكبوسة بشدة والمبدأ هو التناوب بين طبقات التمر الجاف وطبقات التمر الطري. إن دبس التمر الطري يمصه التمر اليابس مما يضفي عليه نكهة جديدة تجعله أكثر ثراء، والخلطات اللطيفة مطلوبة، فـ "أوتقبالا" أو "تمجوهرت" تتعاقب مع "أوعوشت" أو " دﭬـلت نور" أو "تامزوارت نتلات" أو "تازوﭬـاغت" أو "باباتي". في الأوعية الصغيرة تتكون الخلطة من قدر أقل من التمر اليابس لأن الدبس يصرف بسهولة.
تستعمل نباتات معطرة تضفي للتمر نكهة أجود مع ما تحمله من خصائص مطهرة ومبعدة للحشرات المتلفة.
حسب الأذواق؛ يجفف شيء من الحبق والشيح وإكليل الجبل وصعتر البر، ثم يهرس ويذر على كل طبقة من التمر. لقد حاولت أيضا تركيب خلطة من الرند الذي بعطره يطرد دودة التمر، ولقد أعطت فيما يبدو نتائج مرضية.
أنماط التخزين الحديثة في مفترق الطرق:
أنماط التخزين التقليدية الموصوفة آنفا عمّرت قرونا، وهي تلائم صفة التمر كمنتوج اتخذه الناس قوتا أساسيا. أما في زمن التغذية ذات النمط الموحد فقد أخذت هذه الأنماط تندر شيئا فشيئا، في أيامنا استبدلت هذه الأوعية بأخرى من البلاستيك: براميل وأكياس، وكلها مشتقة من النفط، على أن المواد البلاستيكية ليست دوما غذائية، ثم إنها في ظروفنا المناخية الصحراوية تطلق بخارا يُفسد مذاق التمر، وربما كانت سامة. لقد ظهرت منذ عشرين عاما دلاء من الصفيح المغلف بالزنك، ولا أدري إن كان خطرا أن تخزن فيها مادة رطبة كالتمر.
في الواقع هناك عجز شديد في تجديد خزن عشرات أصناف التمر وتعبئتها، ونحن نعلم قيمتها التي تفوق قيمة الأصناف المعروفة تجاريا، ارتكزت الجهود كلها على صنف واحد "دﭬـلت نور" وكان الهدف هو التصدير، تتواجد هنا وهناك وحدات تخزين مخصصة فقط لهذا الصنف، وقد نجد بعض الخزانين الذين يشترون صنفين آخرين طريين "إغس اوشيضن" و"أوتقبالا"، وبقية الأصناف تسمى باحتقار تمرا عموميا، هذا النعت الغامض لا يعني شيئا بالنسبة إليَّ. إذا تحدثنا عن الندرة، فإن "دﭬـلت نور" صنف عمومي لأنه يوجد بكثرة، وإذا تحدثنا عن القيمة الغذائية فإنه تمر حار يقع أسفل العديد من الأصناف الأخرى. وإذا تحدثنا عن التكيف المناخي ومقاومة الأمراض فإن هذا الصنف يعتبر من الأضعف ومن الأكثر حساسية. إنها حقا خصائصه الجمالية الأكيدة التي منحته هذه الرفعة.
أما الابتكار الكبير فهو التخزين البارد، فبغض النظر عن مستودعات التبريد الصناعية الكبرى فإن العائلات تضع في براداتها مخزونها من التمر الطازج لاستهلاكها الخاص. إن هذا التمر يبقى لمدة أشهر سليما لا تشوبه شائبة ويحافظ على نكهته ولكنه يسمر بسرعة بعد ذوبان الجليد (تأكسد؟)، لابد من تذويبه بالتدريج حسب الحاجة اليومية، كثيرة هي العائلات التي اعتادت الآن على تخزين كيلوغرامات من أصنافها المفضلة تخزينا باردا للإفطار عليه في شهر رمضان، إلا أن نمط التخزين هذا محدود مخافة انقطاع الكهرباء لفترات طويلة.
-بتصرف-
المصدر: كتاب نخلة التمر يوميات يرويها عاذق، نورالدين بن سعدون ونورالدين بولحواط، ص 75-77.
شاركنا بتعليقك