مقالات
أصبح الإفراط في مشاهدة التلفاز أحد السمات الرئيسة في عصرنا الحاضر، فكثير من الأسر تقضي الساعات الطوال أمام التلفاز، خاصة في ظل آلاف القنوات الفضائية التي تبث عبر عشرات الأقمار، حتى تحولت مشاهدة التلفاز إلى حالة من الإدمان الشديد لدى بعض الناس، وهذا بطبيعة الحال يدق ناقوس الخطر بالنسبة للعائلة، فلم تعد الأم تجد الوقت الكافي للجلوس مع الأطفال، ولم يعد الأب يجد الوقت الكافي للجلوس مع عائلته ومتابعة أحوالهم، كما أن الأطفال لم يعودوا يهتمون بدروسهم لانشغالهم بمشاهدة التلفاز.
لقد تخلت الأسر عن دورها نهائياً في مهمة التربية، وأسلمت أبناءها للتلفزيون، يصنع بهم ما يحلو له من التوجيه وغرس المفاهيم والعقائد المغايرة لعقائدنا وقيمنا، كما ازدادت الفجوة العاطفية بين أفراد العائلة الواحدة؛ نتيجة لساعات الصمت الطويلة التي يقضيها الأفراد أمام شاشات التلفاز لمتابعة ما يحبون، وقد ما تمتلك الأسرة جهازين أو أكثر؛ وذلك لتعدد الرغبات واختلاف الأذواق بين أفرادها، فتتزايد الفجوة أكثر فأكثر، وللأسف الشديد فإن هذه الزيادة تأتي في ظل غفلة وعدم إدراك الوالدين لما يفعله بهم التلفاز.
قصة مؤثرة: يا رب اجعلني تلفازا..
ومن القصص المشهور في هذا الإطار، قصة الطفل الذي تمنى أن يكون تلفازا.
في إحدى المدارس طلبت المعلمة من طلبتها في المدرسة الابتدائية أن يكتبوا موضوعاً يطلبون فيه من الله أن يعطيهم ما يريدون. وبعد العودة إلى منزلها جلست تقرأ ما كتبوا، فأثار عاطفتها موضوع فدمعت عيناها. وصادف ذلك دخول زوجها البيت، فسألها: ما يبكيكِ يا حبيبتي؟ فقالت: موضوع التعبير الذي كتبه أحد الطلبة. اقرأه بنفسك! فأخذ يقرأ:
" إلهي، أسألك هذا المساء طلباً خاصاً جداً! اجعلني تلفازاً! فأنا أريد أن أحل محله! أريد أن أعيش مثله! لأحتل مكاناً خاصاً في المنزل! فتتحلَّق أسرتي حولي! ويأخذون كلامي مأخذ الجد! وأصبح مركز اهتمامهم، فيسمعونني دون مقاطعة أو توجيه أسئلة. أريد أن أتلقى العناية التي يتلقاها التلفاز حتى عندما لا يعمل، أريد أن أكون بصحبة أبي عندما يصل إلى البيت من العمل، حتى وهو تَعِب، وأريد من أمي أن ترغب فيَّ حتى وهي منزعجة أو حزينة، وأريد من إخوتي وأخواتي أن يتخاصموا ليختار كل منهم صحبتي. أريد أن أشعر بأن أسرتي تترك كل شيء جانباً كل حين، لتقضي بعض الوقت معي! وأخيراً وليس آخراً، أريد منك يا إلهي أن تجعلني أستطيع إسعادهم، وأن أرفِّه عنهم جميعاً. يا ربِّ إني لا أطلب منك الكثير أريد فقط أن أعيش مثل أي تلفاز ".
انتهى الزوج من القراءة فقال: يا إلهي، إنه فعلاً طفل مسكين ما أسوأ أبويه، فبكت المعلمة مرة أخرى وقالت: إنه الموضوع الذي كتبه ولدنا!.
هذه القصة على رمزيتها ذات دلالة خطيرة على تأثير التلفاز على أسرنا. إن مخاطر مشاهدة التلفاز لا تقتصر فقط على الجانب الاجتماعي والثقافي، وإنما تمتد إلى النواحي الصحية والاقتصادية والنفسية.
وفيما يلي جملة يسيرة من مخاطر التلفاز على أطفالنا:
- في مجال الصحة العامة: نجد أن المسؤول الأول عن سمنة الأطفال هو مشاهدة التلفزيون وألعاب الكومبيوتر، حيث كان الأطفال فيما سبق يستمتعون بالأنشطة والألعاب الحركية، والتي لها الكثير من الأثر الإيجابي، لا على الصحة العامة فحسب، بل يمتد للمهارات الاجتماعية. فالألعاب الحركية تساعد على تنمية الكثير من المهارات الاجتماعية عند الأطفال، بدلا من الجلوس أمام شاشات العرض، سواء لأجهزة التلفزيون أو الكومبيوتر.
- وأما بالنسبة للكبار: فقد أظهرت دراسة نشرت في دورية الجمعية الطبية الأمريكية تربط بين عدد ساعات مشاهدة التلفزيون والأمراض، وأكدت أن كل ساعتين مشاهدة يوميا للتلفزيون تزيد خطر الإصابة بمرض السكري بنسبة 20 بالمئة. في حين يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة 15 بالمئة. كما أدت مشاهدة التلفزيون ساعتين يوميا لزيادة خطر الموت بنسبة 13 بالمئة.
- في مجال الصحة النفسية: أثبتت الدراسات أن كل ساعة عرض تلفزيوني تقدم على الأقل 20 مشهدا يمكن تصنيفه بأنه عنيف أو يشجع على العنف، وينطبق ذلك حتى على مشاهدة أفلام الكرتون، ناهيك عن أن الأطفال الذين هم دون الثامنة لا يمكنهم التمييز بين عالم الواقع وعالم الخيال المقدم في أفلام الكرتون، فيعتقدون إمكانية تقليد هؤلاء في أعمالهم الخارقة. وأظهرت دراسات أميركية أن الطفل الذي عمره 13 عاما يكون قد شاهد ما يقرب من مائة ألف مشهد عنيف في التلفزيون، ويكون ضمنها على الأقل ثمانية آلاف جريمة قتل!
- وفي مجال اللغة والتعلم: فإن الأخبار هنا ليست بالجيدة أيضا، فلقد أظهرت الكثير من الدراسات الآثار السلبية لارتفاع عدد ساعات مشاهدة التلفزيون، وعلاقتها السلبية بتأخر نمو مهارات التواصل بشكل عام، حيث إن كل ساعة مشاهدة لبرامج الأطفال المخصصة للفئة العمرية تحت 3 سنوات تقلل من كفاءة الطفل لاكتساب المهارات والمفردات بمعدلات إحصائية واضحة على المستوى التعبيري، وإن كان هناك تأثير إيجابي على مستوى فهم اللغة لبعض البرامج، وهو الذي يظهر بوضوح عند مشاهدة الأهل لهذه البرامج مع أطفالهم، ومن ثم مناقشتها والتعليق عليها.
لذلك يجب أن يبحث الوالدان عن حل سريع لهذه المشكلة المتفاقمة، ويقوما بعمل برنامج يومي وتحديد ساعات المشاهدة مع إرضاء جميع الأطراف، ويتم تقنين هذا السلوك في المنزل.
نصائح تربوية مقترحة تقلل الآثار السلبية للتلفاز:
- تعويد أطفالنا الانضباط في أوقات معينة لمشاهدة التلفاز، ولكي نقنعهم بذلك نعقد جلسات عائلية للنقاش حول التلفاز، والهدف من مشاهدة كل فرد من أفراد العائلة، ومن المستحسن وضع مخطط لذلك، يلتزم به الكل قدر الإمكان.
- أن تجتمع الأسرة في بداية كل أسبوع لتقرير ما سيشاهدونه من البرامج خلال الأسبوع، واستماع آراء الأطفال في هذا الشأن. وأن تحدد الأسرة لكل مرحلة من المراحل العمرية لأفراد العائلة الوقت اللازم لمشاهدة التلفاز.
- أن نكون جادين ومصرين على اتباع نظام في مشاهدة التلفاز، وتطبيق الخطوات السابقة؛ لأن الاستسلام لرغبات الأطفال قد يجعلنا نخسر الكثير.
- أن نكون قدوة لأطفالنا في المشاهدة، بحيث نختار البرامج الجيدة التي نشاهدها، ونلتزم بأوقات المشاهدة التي حددتها الأسرة، وألا ندعو أطفالنا إلى شيء ويخالف فعلنا ما نريده منهم.
- أن يشارك واحد أو أكثر من أفراد الأسرة الأطفال في مشاهدة التلفاز لضبطها ومناقشتهم فيما يرون ويسمعون لكيلا يكونوا مشاهدين سلبيين.
- إن تفتش العائلة عن برنامج ممتاز أو أكثر يستفيد منه كل الأفراد، وأن تطرح عقبه على الأطفال أسئلة تدور حول شكله ومضمونه.
- أن ننوع في البرامج، فمن برامج فكرية، إلى ثقافية إلى علمية إلى تربوية إلى ترفيهية وهكذا، وأن نوجه أولادنا نحو ذلك، فلا تكون مشاهدتهم لأفلام الرسوم المتحركة فقط.
- أن ننقد ما يعرض علينا، ونعلّم أولادنا ذلك، ونتساءل: هل أضاف لنا شيئاً جديدا أم لا؟ ومن المستحسن أن نسمع رأي غيرنا، ورأي أبنائنا فيما شاهدنا، فقد يكون لهم رأي مختلف، فإن تبادل الآراء فيما نشاهده، يمنح هذه العملية حيوية ويزيدها متعة وفائدة.
- ألا نجعل مشاهدة التلفاز وعدمها ثواباً وعقاباً، فإن ذلك قد يؤدي إلى نتائج عكسية تؤثر على نفسية الطفل وسلوكه.
- إذا أثارت بعض البرامج والمسلسلات حب الاطلاع، فحاول أن تقوم برحلة أو تقرأ حول الموضوع لتزداد علما ومعرفة، أنت وأفراد أسرتك.
- أن تقترح الأسرة نشاطات تحل محل السهرات والجلسات أمام التلفاز، أو تقلل من ذلك مثل: الألعاب الجماعية والنزهة إلى الحدائق العامة، أو مباراة رياضية أو تركيب قطع مرسومة في مجلة، أو زيارة قريب.
- أن نبعد التلفاز عن غرفة الطعام، فمشاهدة التلفاز أثناء الطعام تقطع الكلام بين أفراد العائلة، والحديث عن شؤون العائلة وقضايا الساعة.
- ألا نجعل التلفاز وسيلة للترويح وإملاء وقت الفراغ، بل علينا أن ننوع في هواياتنا المفضلة، كالمطالعة والرياضة والأنشطة الاجتماعية... إلخ
-بتصرف-
المصدر: موقع لها أون لاين
شاركنا بتعليقك