إسهامات

تختفي وراء كل بزوغ حضارة هجرة، وحينما نصغي لتاريخ أي مجتمع عظيم نجد لغته أو أساطيره تحكي عن هجرة.

ولذا فالهجرة في تاريخ الإسلام القرآن وسيرة النبي، ليست واقعة من وقائع هذا التاريخ فحسب، بل هي أساس اجتماعي رئيسي؛ واذا طالعنا الإسلام مطالعة دقيقة فسوف نجد أن الأمر على هذا المنوال.

هاجر المسلمون إلى الحبشة بأمر من النبي هجرتین؛ فلأول مرة تهجر جماعة بشرية عربية -وهي تسكن في واد تحيطه الجبال، حيث تقع مكة- قبيلتها؛ وتترك أرضها، بل خرجت في هجرة جماعية لبلد خارجي، فتعبر البحر وتضع أقدامها على أرض قارة أخرى؛ لتعيش في محيط اجتماعي وسياسي وعرقي جديد.

ثم الهجرة الكبرى صوب المدينة، هذه الهجرة التي فتحت أبواب المدينة المغلقة على العالم الخارجي، كما عرفت المهاجرين من قريش بمجتمع ومحيط وظروف جديدة.

سعى نبي الإسلام لفتح آفاق المجتمع القبلي العربي، وتطوير رؤيته للعالم... عن طريق تنفيذ سياسة تستند على الاتصال بالقبائل المجاورة وتوسيع دائرة نفوذه إلى أبعد الحدود الممكنة واستقبال الوفود وارسال المبلغين والسفراء إلى أطراف شبه الجزيرة بل وإلى ما وراء الحدود والاتصال مع بلاد فارس والروم الشرقية ومصر واليمن وغيرها من البلدان ... ولم تشر جميع القرائن في حياة النبي لهذه الحقيقة فحسب، بل لقد اعتبرت أقوال النبي وآيات القرآن الهجرة خصوصا أرقى ألوانها "الهجرة الفكرية والعقائدية"، أصلا مقدساً، بل تكليفاً انسانياً. وقد جاءت النصوص صريحة في هذا المجال: ﴿إنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَالذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ البقرة: 218.

فالمهاجر في طريق الحقيقة في هذه الآية لا يقف إلى صف المجاهد فحسب، بل يتقدم عليه، كما نلاحظ، فبعد الإيمان تأتي الهجرة مباشرة كأعظم أصل عملي ووظيفة انسانية مقدسة. وهذا التقدم والتأخر ذو دلالة -في السياق القرآني- ويستحق الوقوف عنده والتأمل فيه وليس عبثا وصدفة على الاطلاق.

﴿فَالذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ آل عمران: 195.

﴿وَالذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنم بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنـَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الاَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ النحل: 41.

فالهجرة في هذه الآية الصريحة عامل على طريق حياة أفضل للمظلومين وسبب للتمتع الأكبر بهبات الحياة الدنيا. وهذه حقيقة واقعية يُعرفها التاريخ أفضل مما يعرفها أي شخص آخر.

لاحظ الآية التالية، فهي نداء لكل بني الإنسان الذين مدّوا يد المداهنة والعار، وخضعوا تحت أنقاض الظلم والفساد، وأخمدوا شعلة الروح، ولم ينهضوا بسبب تعلقهم بالروابط العاطفية والسنن الاجتماعية أو امتلاكهم للرؤى السياسية المتقاربة والنفس الضعيفة الهزيلة: ﴿اِنَّ الذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الاَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنَ اَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيرًا اِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً  فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَّعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا وَمَنْ يُّهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الاَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَّخْرُجْ مِنم بَيْتِهِ مُهَاجِرًا اِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا النساء: 97-100.

ما الذي لا يمكن الافصاح عنه هناك؟ الحق والحرية: سجنوهما تحت سقوف واطئة، وخلف أبواب مغلقة، تحت أسوار الاضطهاد المحصنة، فماتوا! والى الأبد.

يبدو أن الله هنا يأمر أولئك الذين تستنير قلوبهم بشعلة الايمان والذين يحسون بثقل المسؤولية الرسالية على عواتقهم: بعد العزم على الله. اهجر دارك! فر! لا يمكنك أن تكون رجلا بحق، أن تتعلل بأنك ولدت هناك ... إن بيتك وعشيرتك وشهرتك هناك، حيث حريتك وايمانك. لا تركن هنا حيث الظلم وأسر الحقيقة؛ فالبر والبحر واسعان، وبنو آدم كثيرون.

في ضوء ملاحظتنا الأسلوب القرآن الكريم نجد أنه حينما يتحدث عن الهجرة يصفها بأنها (ضرب في الأرض) و (خروج أو إخراج من الديار)... وتعبيرات من هذا القبيل. من هنا يتضح بجلاء أن الاسلام يحض على ترك مسقط الرأس والأهل أو الوطن والمجتمع لأجل:

1. إنقاذ حرية وشرف الفرد على طريق الايمان «قصة أصحاب الكهف المعبرة الجذابة، والهجرة للحبشة»...

2. الحصول على إمكانيات جديدة وظروف مساعدة خارج محيطه الاجتماعي والسياسي الظالم للنضال ضد هذا المحيط؛ وبعبارة أخرى ترك مجتمعه من أجل العودة إليه فاتحاً منتصراً. الهجرة من مكة إلى المدينة، وقصة سيدنا موسى...

3. إشاعة وترويج الفكر والعقيدة في بقاع ومجتمعات أخرى؛ لأداء رسالة إنسانية عالمية يلتزم بها كل مسلم، ويتحمل مسؤوليتها أمام البشرية لتوعيتها وتحريرها وإسعادها، "إرسال المعلمين خارج المدينة والبلاد الاسلامية"...

4. قراءة العالم ومعرفته معرفة علمية: ويشمل الطبيعة خصوصا الجغرافية الطبيعية والانسانية والاقتصادية، والأحياء، والنبات والماء والهواء ... وكذلك الإنسان المعرفة الشعوب والملل والأصول العرقية، والمجتمعات وأساليب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، العادات والتقاليد والأديان... وبشكل عام وكل ما يتعلق بمعرفة الإنسان ومجتمعه.... وبتعبير جامع ودقيق وهو ما يستخدمه القرآن الكريم ذاته: سير في الآفاق والأنفس (الطبيعة والحياة)، سير ولكن لا على النهج الأرسطي العقيم بل بمنهج علمي. ويعني: الملاحظة، "التجربة والاستقراء"؛ لا أن نجلس وننسج بمعرفة النبوغ والمنطق الصوري والدليل المجرد تعريفاً جامعاً مانعاً لمعرفة ظواهر الطبيعة ومشكلات الحياة، بل أن نبحث ونشاهد ونجرب ونحلل ثم ننتهي إلى التعريف العلمي.

من العجيب حقا أن مسألة باسم التأريخ وفلسفة التاريخ، تحليل ودراسة أسباب رقي وانحطاط وحياة وموت الحضارات والمجتمعات الماضية، لايزال مفكرون كبار في عصرنا الحاضر يعدونها "فنا"، أو لونا من الفلسفة أو الآداب. فيتناولونها في الأغلب بمنهج ذهني وعقلي. في حين نجد أن القرآن الكريم بعدها من صنف العلوم الحسية والعينية؛ ومنهج دراستها هو المنهج الحسي والعيني، وبعبارة أخرى المنهج الذي اختاره دیکارت ونیوتن وغاليلو للعلوم الطبيعية. فالنمو المذهل الذي أحرزته العلوم والتقدم المدني في القرون الحديثة يرجع الفضل فيه لاختيار هذا المنهج بدل منهج القياسي الأرسطي.

فالقرآن الكريم لا يقتصر على اقتراح دراسة العلوم الانسانية وحتى التاريخ الذي لا يزال في أبعد النقاط عن العلوم البحتة، بل يُلزم بهجرة علمية إلزامه بأي واجب ديني ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ يوسف: 109.

﴿فَسِيرُواْ فِي الاَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ آل عمران: 137.

المسألة المهمة جدًّا في قضية "الهجرة" وأرجح القول: أصل الهجرة، بل حكم الهجرة في ضوء ما يظهر لنا من القرآن الكريم، حيث تبلغ بمفهوم الهجرة ما لا يتناهى، وتوسع دائرته هي: أن هذا اللفظ استخدم في القرآن الكريم بمعناه العام والمطلق. وبلغة علم الاجتماع: أن درجة المعنى، لهذه الكلمة بلغت الأوج، حيث ارتفعت عن مستوى الأرض "الهجرة من نقطة إلى نقطة أخرى"، وارتقت إلى مستوى الروح الرفيع، وسماء المعنويات الأخلاقية والثورات الفكرية والروحية. وفي هذا الضوء نواجه أصلا كبيراً وعميقاً وجاداً اسمه "الهجرة"؛ أصل يمكن فهم أبعاده وقيمته حيث يمكن الفهم، فالمسلم القرآني -بعد الإيمان وأحيانا قبل الجهاد أيضا-. يجد نفسه مواجهاً لأصل كبير وأمر حاسم، أن يهاجر من الخارج، وأن يهاجر من الداخل. سفر على الأرض وسفر في عمق الروح، أن يهاجر من المكان الذي لم يبق محلا للقرار، وأن يذهب عنه حينما لا يكون مؤهلا لاتخاذه منطلقاً. والهجرة لا تنحصر في الاغتراب عن مسقط الرأس، بل تعم أيضا الاغتراب عن الذات. وفي هذا الضوء يسعى الإسلام لتحريك المجتمع؛ لكن لا يقف عند نقطة فيموت، ويسعى كذلك لتحريك الفرد أيضا، فيدعو الإنسان للحركة من الخارج وللثورة من الداخل: ليصونه بذلك عن التوقف والانحطاط والجمود على الدوام، ويدفعه إلى الحركة والرقي والثورة الدائمة.

المصدر: كتاب محمد خاتم النبيئين من الهجرة إلى الوفاة، علي شريعتي، صفحة 39-44.

شاركنا بتعليقك