إسهامات

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ المائدة: 90، 91.

سبب نزول الآية الكريمة:

هذه الآية نزلَت بعد وَقْعَة أُحُد، وكانت في السنة الثالثة مِن الهجرة؛ أي: في آخِرها، ولكنها وقعت هنا في سورة المائدة بعد نزولها، وهذه الآية هي الناسِخة لإباحَة الخَمْر، ويُروى في سبب نزولها أن مُلاحاةً كانت بين سعد بن أَبي وقاص ورَجُلٍ مِن الأنصار سببُها شُرْب خَمر في ضِيافَة لهم.

أصْل الخَمْر:

ستر الشيء، ويقال لِمَا يُسْتَرُ به: خِمار، لَكِن الخِمار صار في التعارف اسْمًا لِمَا تُغَطِّي به المرأة رأسها وجمعه (خُمُر)؛ قال تعالى: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ النور: 31، واخْتَمرَت المَرْأة وتَخَمَّرَت، وخَمَّرتُ الإنَاء: غَطَّيتُه، وأخمَرتُ العَجِينَ: جَعَلْتُ فيه الخَمِيرة، والخَمِيرَة سُمِّيَت لكونها مخمورةً مِن قَبْلُ، ودخل في خِمار الناس؛ أي: في جماعتهم الساتِرَة لهم، والخَمْر سُمِّيت لكونها خامِرَة لِمَقَرِّ العَقْل، وهو عند بعض الناس اسمٌ لِكُلِّ مُسْكِر، وعند بعضهم اسْمٌ للمُتَّخَذ مِن العِنَب والتَّمْر، والخُمار الدَّاء العارِض مِن الخَمْر.

قال أبو حَيَّان: ذَكَر اللهُ تعالى في الخَمْر مَفْسَدَتَيْنِ: إحداهما دُنيويَّة، والأُخرى دينيَّة، فأما الدنيوية فإن الخمر تُثير الشرور والأحقاد، وتَؤول بشاربها إلى التقاطع، وأما الدِّينيَّة فالخَمْر لِغَلَبة السرور والطَّرَب بها تُلهي عَن ذِكْرِ اللهِ وعن الصلاة.

فائدة: "فاجتنبوه .."

التعبير بقوله: ﴿ فَاجْتَنِبُوهُ  المائدة: 90 نصٌّ في التحريم، ولكنه أبلَغُ في النَّهي والتحريم مِن لفظ (حَرَّم)؛ لأن معناه البعدُ عنه بالكُلِّيَّة، فهو مِثل قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا  الإسراء: 32؛ لأن القُرْبَ منه إذا كان حرامًا فيكون الفعل مُحرَّمًا مِن باب أَولى، وكذلك هنا، ولم يذكر في القرآن الكريم تعليل الأحكام الشرعية إلا بالإيجاز، أما هنا فَقَد ذُكِرَت العِلَّة بالتفصيل، فذكر الله تعالى منها إلقاء العَداوَة والبغضاء بين المؤمنين، والصد عن سبيل الله وذِكْرِه، وشَغْل المؤمنين عن الصلاة.

ذِكْر بعض الأحاديث الوارِدَة في تحريم الخَمْر:

عن عبد الرحمن بن وَعْلَةَ قال: سألتُ ابن عباس عن بيع الخمر، فقال: كان لرسول الله ﷺ صَديق مِن ثَقيف أو مِن دَوْس، فلقِيَه يوم الفتح براويةِ خمر يُهديها إليه، فقال رسول الله ﷺ: " يا فلان، أما عَلِمتَ أنَّ اللهَ حَرَّمها؟! "، فأقبل الرَّجُلُ على غُلامه فقال: اذْهَبْ فَبِعْها، فقال رسول الله ﷺ: " يا فلان، بماذا أمَرْتَه؟ "، فقال: أمَرْتُه أن يَبيعها، قال: " إنَّ الذِي حَرَّمَ شُرْبَها حَرَّمَ بَيْعَها "، فأمر بها فأُفرِغَتْ في البَطْحاء.

وثبَت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في خُطْبَتِه على مِنْبَر رسول الله: " أيُّها الناس، إنه نزَل تحريمُ الخمر، وهي مِن خَمْسَة: العِنَب، والتَّمْر، والعَسَل، والحِنْطَة، والشَّعِير، والخمرُ ما خامَرَ العَقْلَ ".

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما نزل تحريم الخمر في قَبيلتَينِ مِن قَبائِل الأنْصار شَربوا، فلمَّا أنْ ثَمِلَ القوم عَبثَ بعضهم ببعض، فلما أن صَحَوْا جعل الرَّجُل يرى الأثَرَ بوجهه ورأسه ولِحيتِه، فيقول: صَنَعَ بي هذا أخي فلان، وكانوا إخْوَةً ليسَ في قلوبهم ضغائِن، فيقول: والله لو كان بي رؤوفًا رحيمًا ما صَنَعَ بي هذا، حتى وقعت الضَّغائِن في قلوبهم، فأنْزَلَ اللهُ هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ المائدة: 90، 91، فقال أُناس مِن المُتَكلِّفين: هي رِجْس وهي في بَطْن فلان، وقد قُتِل يوم أُحُد، فأنزل الله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا... المائدة: 93 إلى آخِر الآية.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: " مَن شَرِب الخَمرَ في الدُّنيا ثمَّ لم يَتُب منها، حُرِمها في الآخِرَة ".

وعن نافِع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرام، ومَن شرِب الخمرَ فماتَ وهو يُدمِنها ولَم يَتُب منها، لم يَشرَبها في الآخِرة ".

وعن عبدالله بن عمرٍو عن النبي ﷺ قال: " لا يَدخُل الجنَّةَ مَنَّانٌ، ولا عاقٌّ، ولا مُدمِنُ خمر ".

وعن ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: " لَعن اللهُ الخمرَ، وشارِبَها، وساقِيَها، وبائِعَها، ومُبتاعَها، وعاصِرَها، ومُعتَصِرَها، وحامِلَها، والمحمولةَ إليه، وآكِلَ ثَمنِها ".

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: " مَن شرب الخمرَ فاجلِدوه، فإنْ عادَ الثَّانيةَ فاجلِدوه، فإن عادَ الثَّالثةَ فاجلِدوه، فإنْ عادَ الرَّابعة فاقتُلوه ".

-بتصرف-

المصدر: شبكة الألوكة

شاركنا بتعليقك