يعد البرج أحد العناصر الدفاعية الأساسية في مجال الاستحكامات العسكرية، وأحد أهم مكونات العمارة الحربية عبر الأزمنة التاريخية، وقد عرف عدة أشكال فمنها الأسطواني وذات المسقط المستطيل أو القريب من المربع ومنها المتعدد الأضلاع.
يتكون البرج أساسا من عناصر بسيطة، فأحيانا تكون ذات بدن ممتلئ يعلوها سطح تحيط به ذروة مزودة بفتحات الرمي، وأحيانا غرفة داخلية في مستوى طريق المشاة يعلوها سطح يصعد إليه عبر سلم.
ففي قصور منطقة مزاب عُرف البرج في العمارة الدفاعية كعنصر هام مدعما لسور القصر. فبالإضافة إلى عملية التقوية والتدعيم التي يؤديها البرج لجدار السور فإن له وظيفتين أساسيتين، وظيفة دفاعية لصد الهجوم ووظيفة المراقبة والإشعار. وكما نجده ملتصقا بجدار السور فإننا نجده كذلك منعزلا في نقاط معينة على قمم التلال مشرفا على الأودية وفي مضايق الشعاب لحماية الواحات.
وعلى الرغم من اندثار كثير من أبراج الأسوار بعد التوسعات الحديثة للقصور إلا أن الواحات لا تزال تحتفظ بعدد معتبر منها، ولعل أوضح مثال لها يوجد بواحات قصر بني يزقن وقصر بنورة.
البرج في منطقة مزاب ذو مسقط مستطيل أو قريب من المربع في الغالب الأعم، وفي حالات استثنائية شاهدنا البرج القريب من الأسطواني كما في البرج الشمالي من قصر بنورة والنصف الأسطواني في السور الأمامي الفريد بقصر مليكة، والذي تم ابتلاعه -للأسف الشديد- في الآونة الأخيرة داخل مساكن حديثة. وينفتح بأحد أضلاع البرج مدخل ذو مقاسات صغيرة يفضي إلى طابق أرضي عبارة عن قاعة للرمي تشغل جدرانه مزاغل تختلف مقاساتها حسب كل برج، ويعلو هذه القاعة قاعة ثانية وأحيانا ثالثة ونادرا قاعة رابعة، وأخيرا سطح تحيط به ذروة بقامة إنسان. وإلى جانب تزويد واجهات البرج الأربعة بالمزاغل تُشغل بها فتحات واسعة معظمها معقودة لغرض تلقي الإشارة من البرج القريب أو بعثها إلى البرج الذي يليه. وقد يحتوي البرج أحيانا على سقاطات لصد محاولات تسلل المهاجم إلى قواعد البرج. ويتم تغطية القاعات في الغالب بأقباء برميلية مقطعها في شكل نصف دائرة أو قطاع من الدائرة، تحملها عقود نصف دائرية تقام مباشرة على دعامات مستطيلة أو مربعة قصيرة.
ومن المظاهر المعمارية التي تميز أبراج منطقة مزاب المسحة الهرمية التي تظهرها واجهاتها المائلة برفق نحو الداخل كلما ارتفعت إلى الأعلى. وقد حدث جدل بشأن هذه الظاهرة المعمارية. فمن الدارسين من أرجعها إلى تأثيرات مصرية قديمة حيث شبهت بأبراج مداخل المعابد المصرية. ومنهم من أرجع هذا الشكل إلى أصول محلية تمتد جذورها في ثقافة وتاريخ المغاربة، لأنها أبراج وجدت في عديد من مناطق بلاد المغرب خاصة بالقسم الصحراوي منه، فقد وجدناها في واحة سيوة جنوب مصر، و في جبال نفوسة بالقطر الليبي، وفي عدد من الواحات الجزائرية كالأغواط وبن عباس، وفي قصور جانت، وفي الريف المغربي، وامتدت حتى حدود المحيط الأطلسي في مدينة شنقيط بموريطانيا، ولم يقتصر الشكل الهرمي على أبراج هذه المناطق من صحراء بلاد المغرب بل ظهر أثره بمآذن بلدان السودان الغربي في مالي والنيجر. ومن الدارسين من اعتبر هذا الشكل محد حيلة معمارية تولدت من طبيعة المواد المستعملة في بنائها، وربما كان هو الرأي الأقرب إلى الصواب، حيث أنه كلما مالت الجدران نحو الداخل واقتربت من نقطة الارتكاز ازدادت مقاومة وثباتا، ولعل ما يؤيد الرأي الأخير ظهور مآذن هرمية الشكل في الجزيرة العربية كذلك، وبالتحديد في جامع عمر بن الخطاب بدومة الجندل، مما يدعو إلى القول: إن البناء سواء كان في المغرب أو في موضع آخر إذا أحاطت به ظروف مماثلة ربما اهتدى بصفة عفوية إلى حلول مشابهة.
ويمكن أن نشير إلى أن المآذن في قصور مزاب قامت في بعض الأحيان بدور المراقبة التي تشعر سكان القصر بالخطر الداهم أو المحدق. فموضعها بأعلى نقطة واحتلالها وسطية القصر وعلوها الذي يصل عادة (22م) يمكن أن يستغلا عندما تضطرب الأوضاع الأمنية لتقوم مراقبة خط الأفق الذي يعلو الهضبة الصخرية المحيطة بوادي مزاب. ومما يقوم دليلا على الوظيفة الدفاعية للمئذنة أن سكان قصور مزاب يطلقون على المئذنة باللهجة المزابية «أَعَسَّاسْ» أي الحارس. وهذه الوظيفة الثانوية للمئذنة لم تكن حكرا علی منطقة مزاب بل إن المئذنة في عديد من مناطق بلاد المغرب كانت تقوم بدور المراقبة، إلى جانب الآذان والدعوة إلى الصلاة.
-بتصرف-
المصدر: بحث العمارة الدفاعية في منطقة وادي مزاب، بوراس يحي، ص 44-49.
شاركنا بتعليقك