قص القرآن الكريم قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ في بيان إلهي يظهر سعة ملك نبي سليمان عليه السلام، وتطويعه لما أمده الله عز وجل به من معجزات في سبيل الله تعالى، مع حسن إدارة لعظيم ما سخره الله تعالى له، ومما أبرزته قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ حسب ترتيب آيات القصة من الآية 19 إلى الآية 41 من سورة النمل ما يلي:
تفقد الجند: تبدأ أحداث القصة القرآنية بغياب جندي من الطير عن الجيش، وتفقد القائد بنفسه للجند على كثرة عددهم، وتعدد أنواعهم، ووجود الوزعة الذين ينظمونهم، في حزم يزرع الهيبة والانضباط في نفوس الجميع، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الغائيبين﴾ ،استعرض الطير وفقد الهدهد فيهم، فبدأ بالتمام نظره عليه السلام حتى لا يتسرع في الحكم تأنيا، ثم تيقن لغيابه فأصدر بيانه، ﴿لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأذْبَحَنَّهُ﴾ فكانت شدة العقوبة لقلة شأن العاصي وعظم شأن الحاكم، ولكن حكمته عليه السلام، وعدله، وخوفه من الله تعالى، جعل للهدهد مخرجا إن أتى بعذر بين، وحجة تبرر تخلفه، ﴿أو لياتيني بِسُلْطَنٍ مُّبِينٍ﴾ فالقائد الناجح هو من يتخذ من التأني والتروي ديدناً له، والتبين والتثبت شعارا.
الهدهد يقدم أسباب الغياب: حضر الهدهد بعد أن أصدر الحكم النبوي، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَبإ بِنَبإ يقين﴾ أقبل الهدهد بسلطان العلم يدفع عن نفسه الوعيد بالذبح والتعذيب، فخاطب سليمان عليه السلام قائلاً: "اطلعت على شيء لم تطلع أنت عليه وعرفته من جميع نواحيه، وقد أتيتك من بلدة سبأ بخبر خطير، ذي شأن عظيم تيقنته غاية اليقين، ﴿إني وَجَدتُّ امْرَأَةٌ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشُ عَظِيمٌ﴾ فالحاكم امرأة، ولديها مملكة متكاملة، وملكت مما لدى الملوك من السلطان والقوة والحاشية وعرشها عظيم وليس هذا ما يؤخرني عن خدمتك، ولكن الأدهى ما رأيت، ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا يخْفُونَ وَمَا يعْلِنُونَ﴾ ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، الهدهد رسول نبي الله سليمان عليه السلام: قال سليمان عليه السلام: ﴿قال سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين﴾ سنتأمل فيما نقلت لعلك تكون قد كذبت، أو أخطأت، لعل في الأمر التباس فالخبر عجيب. وإن كان سليمان عليه السلام يأتيه الخبر من السماء ويعلم أن الهدهد صادق، لكنه قائد يربي جنده على أن يتخذوا التروي في إصدار الأحكام والتثبت والتبين قبل التصديق والتسليم بالأخبار وتحري الدقة عند سماع أي أمر ، قال تعالى: ﴿اذْهَب بكتابي هَذَا فَأَلْقِهُ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ تحرك القائد وكتب كتابا وأمر صاحب الخبر الذي أصبح رسولا وعينا لسليمان عليه السلام في مملكة سبأ. ولم يكتف بإرساله وإنما كلفه بمهام أخرى فقد علم همته وغيرته على دين الله وعلمه أدب الرسل بأن يتأخر عن القوم حتى يتداولوا الأمر بينهم ويتشاورا بما فيه مصلحتهم، ثم لينقل له ما استقروا عليه.
إدارة الأزمة في مملكة سبأ: أصبح الأمر واقعا بين يدي الملكة، ﴿قَالَتْ يأيها الملؤ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَبُ كَرِيمُ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَى وَاتُونِي مُسْلِمِين﴾ وصل الهدهد وألقى بالرسالة فجمعت مستشاريها وكبار دولتها لتعرض عليهم الأمر، فبدأت بالثناء على الكتاب ووصفته بالكريم لعجيب ما رأت من وصوله إليها، ولكرامة الملك الذي أرسله عليه السلام.أخبرت عن المرسل أنه سليمان عليه السلام وعن نص الكتاب ،كلمات بليغة توصل المراد دون تكلف ليفهم المتلقي الأمر، ودلالة على ثقة وقوة لدى الأمر، ومن عقلها وحكمتها طلبت مشورتهم في الأمر الجلل، ثم زادت في التأدب، واستجلاب خواطرهم ليمحضوها النصح، ويشيروا عليها بالصواب فقالت كما أخبر الله تعالى على لسانها : ﴿قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَؤُا أَفْتُونِي فِي أمري مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمَّرا حَتَّى تَشْهَدُون﴾ وحتى يتحمل المستشار أمانة إبداء الرأي فيحمل نصيبه في المسؤولية،أعلن الملأ من قومها الرأي فهم على استعداد للحرب، ولديهم القوة والقدرة على القتال، ثم تركوا الأمر لها حتى تختار ما تشاء باطمئنان ودون خوف من سليمان عليه السلام، وإقرارا منهم بعقلها وحكمتها، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ) ﴿وَالْاَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَامُرِينَ﴾ ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أفَسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةٌ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةِ فَنظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ صرحت الملكة إلى ما يمكن أن تؤول إليه النتائج إن خسروا الحرب، وأفعال الملوك إن انتصروا وتمكنوا فالخراب والقتل هو ما ينتظر الناس عموما، والهوان والذل ما سينتهي إليه أشراف القوم وسادتهم.
وصول وفد ملكة سبأ: انتقلت الآيات إلى مملكة سليمان عليه السلام، فقد أتم الهدهد المهمة، وأخبر بما رأى، وبعد ذلك أتى الوفد بالهدايا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا ءَاتَن اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا ءَاتَكم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تفْرَحُونَ﴾ ﴿أَرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَاتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرَجنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ رفض سليمان عليه السلام هديتهم فليس إلا رشوة لتحييد سليمان عليه السلام عن عزمه.
العرش بين يدي سليمان عليه السلام: علم سليمان عليه السلام بقدومهم واستسلامهم بعد أن تيقنوا من صدق وقوة الداعي، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ يَأَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَاتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ﴿قَالَ عِفْرِيتُ مِنَ الْجِنِّ أَنَا ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَقَامِكَ وَإِنْي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينُ﴾ ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمُ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ, قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ءَآشْكُرُ أم أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَني كريم﴾.
توجه سليمان عليه السلام إلى وزرائه وخاصته من الجن والإنس والطير مختبرا لهم، سائلا عمن يستطيع إحضار عرش ملكة سبأ قبل أن يأتوا طائعين فكان أول المتطوعين لأداء المهمة عفريت من الجنّ قال أنا آتيك به قبل أن تقوم من مجلسك، رأى سليمان عليه السلام أن ذلك وقت طويل، عندئذ قال الذي عنده علم من الكتاب: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك وما هي إلا لحظة خاطفة حتى كان العرش الثمين بين يدي النبي الكريم عليه السلام، شكر سليمان عليه السلام ربه سبحانه وتعالى على تيسير الأمور له وعلم أن ذلك اختبار من تعالى فأعاد الفضل لصاحب الفضل جلّ وعلا ولم يغترّ عليه السلام بملكه وسلطانه وقدرته، ثم بين أن هذا الشكر لا ينتفع الله به، وإنما يرجع نفعه إلى صاحبه، لأن الله غني عن عباده كريم كثير الخير، يعم به الشاكر والكافر إلا أن شكر النعمة داع للمزيد منها، وكفرها داع لزوالها.
-بتصرف-
المصدر: المضامين التربوية المستنبطة من قصة سليمان عليه السلام وملكة سبأ في القرآن الكريم، رسالة ماجستير.
شاركنا بتعليقك