إسهامات

حصن الإمبراطور أو برج مولاي حسن: التسمية الأولى أطلقها الفرنسيون بينما الثانية عُرف بها في العهد العثماني من طرف سكان الجزائر؛ صرح على علاقة وطيدة بواقعة تاريخية إبان الحملة الإسبانية على الجزائر ابتداء من 23 أكتوبر من عام 1541م وشاهد أيضا على عملية بطولية قام بها مزابيون ضد الغزاة الاسبان آنذاك.

الجنرال DAUMAS Eugène في كتابه "Mœurs et coutumes de l'Algérie: Tell - Kabylie - Sahara" الصادر سنة 1853م روى تفاصيل مثيرة عن الحدث نورد ترجمة تقريبية لبعض مضمون فقراتها كما وردت:

" .. تعود الأحداث إلى عام 1541م من عصرنا الحالي أثناء الحملة الضخمة التي قادها شارل لوكان ( الخامس) ضد مدينة الجزائر، و التي على إثرها شرع القراصنة البرابرة في تحصينها وتعزيز دفاعاتها لإثارة الفزع من المسيحية - أو ربما يقصد المؤلف - لبث الذعر لدى المعتدين المسيحيين ؟؟؟.

اكتشف الإمبراطور أن الحلمات ( المرتفعات) التي تحيط بالمدينة من الجهة الجنوبية بها موقع مناسب لإقامة بطارية فيه، فأعطى أوامره بتشييدها بهذا المكان في أسرع وقت نظرا لأهميته القصوى بالنسبة لجيشه، فتم إعداد الحجارة والجير اللازمين بعين ريبوت في السهل الذي يقع أسفل مصطفى باشا ( ميدان المناورات).

شُكّل خطان من جنود المشاة على طول المسافة التي تفصل بين السهل والمرتفعات خصيصا لنقل المواد، أحدهما يمرر السلال معبأة والآخر يعيدها فارغة، وفي ليلة واحدة ارتفع فوق الأرض صرح بطارية هائلة محاطة بخنادق ومدججة بقطع أسلحة من الحجم الكبير ... لتبدأ هذه البطارية في الاشتغال - إطلاق النيران - فقلبت أوضاع المدينة الى أسوء حال وانتشر الرعب في كل مكان، وكان أمرا صعبا للغاية إزاحة العدو من ذلك الموقع القوي والمحصن جيدا، والمدينة تحت القصف والدمار لن تتمكن من الصمود طويلا.

في ظل تلك الظروف الحرجة، قرر بنو مزاب الذين كانوا متواجدين بمدينة الجزائر بأعداد كبيرة تكريس أنفسهم لحل المسألة وإنقاذ المدينة، فذهبوا لملاقاة الباشا وأخبروه أنهم سيتكفلون بإزالة ذلك البرج إذا وافق على منحهم احتكار الحمامات المغربية (التقليدية) والجزارة وعيّن لهم أمينا يتولى لوحده مهام الشرطة والقضاء لجماعتهم، الباشا كما كان متوقعا وافق على ذلك.

وها هي الحيلة التي استعملها المزابيون للوصول إلى الموقع دون أخطار: لقد تنكروا في زي نساء بوجوه مغطاة بحايك وفق التقاليد المغاربية حتى لا تكشف أمرهم لِحاهم وشواربهم، مخبئين تحت لُحُفِهم وأغطيتهم البيضاء مسدسات محشوة عن آخرها وسيوف مشحوذة جيدا، فخرجوا من المدينة في موكب من البوابة الجديدة (باب أ جديد) متوجهين إلى مصدر التهديد، وأثناء تجليهم بهذا المنظر للإسبان الذين كانوا في تحصيناتهم أوقفوا فورا إطلاق النار، معتقدين أن سكان المدينة قرروا الاستسلام، حسب ما أشاروا إليهم من خلال إرسال موكب من النساء المتوسلات بذلك وفق أعراف المسلمين.

بزيهم المضحك، دخل المهاجمون المخادعون الحصن دون عوائق، ولكن ما إن وضع آخرهم قدمه في الداخل حتى قلبوا أدوارهم وأفرغوا أسلحتهم في وجه الجنود الإسبان الذين وثقوا فيهم كثيرا، وبسيوفهم في أيديهم خاضوا معركة فضيعة وضارية لم تنتهي إلا بمقتل آخر مدافع عن ذلك الموقع.

لكن بالرغم من الهجوم المفاجئ والمباغت، فإن الدفاع ( الإسباني) لم يكن أقل شراسة وفظاعة، وقد كلف أرواح الكثير من رجال بني مزاب، وبالكاد أصبح هؤلاء مسيطرين على القلعة، حتى أرسلوا إشارة متفق عليها – مسبقا - فخرجت سرية عسكرية من الأتراك كانت على أُهبة الاستعداد سلفا خلف باب الجديد وتوجهت بسرعة إلى المكان وتموقعت داخل برج بوليلة. هكذا تم إنقاذ مدينة الجزائر من دمار وشيك بفضل تضحيات بني مزاب. العرب يفسرون النجاح المبهر ويُرجعون فضله إلى إقدامهم على إلهاء وتشتيت انتباه الإسبان بالكامل. ربما لم يكونوا راغبين في ترك فرقة خارجية تنال شرف ( استحقاق ) إنقاذ المعقل الإسلامي، مهد القرصنة.

خلال الهجوم على برج بوليلة ( حصن الإمبراطور)، قام باي قسنطينة رفقة رجاله بالاستلاء على الذخيرة الاحتياطية للإسبان من جهة منطقة الحراش، مما مكّنه من خوض معركة رائعة.....

هذه الهزيمة وخسارة البطارية المتواجدة في المرتفعات والتي تم تصويب مدفعيتها على الفور تجاه الأسطول كانا ( عاملين) حاسمين في أمر الانسحاب المتعجل للإسبان. ونحن نعرف ما أعقب ذلك من كوارث.

بعد رحيل الإسبان احتفظ برج بوليلة بهذه التسمية إلى أن مر بمدينة الجزائر شريف (أمير) من اقرباء السلطان مولاي يزيد (بمراكش) حيث كان متوجها إلى مكة، فسمع بواقعة الحصار التي بقيت راسخة في الذاكرة وبلطف الله وحفظه في تلك الظروف العصيبة وبعملية الاستيلاء على البرج التي أنهت الأمر، هذا الرجل المتحمس والسخي خطرت له فكرة إعطاء صبغة دائمة لهذه الذكرى كفعل مجيد للإسلام. فتبرع لهذا الغرض للباشا بمبلغ خمسين ألف دورو اسباني واشترط أن تُبنى مكان البطارية قلعة جديرة بتلك العملية تُخلّد لذكراها وتسمى باسمه. وافق الباشا على ذلك وشرع على الفور في إنجاز تلك القلعة التي أنهاها بعد أربع سنوات فأصبحت تشرف على كامل مدينة الجزائر، ووفى بوعده فأطلق عليها اسم برج مولاي حسن..."

ترجمة: بن الناصر بكير

المصدر: النص الأصلي باللغة الفرنسية

شاركنا بتعليقك