وردَ في قصة سيدنا آدم أنَّه عندمَا خلقَ الله تعالى آدم -عليه السلام- أخبرَ الملائكةَ بهذا الحدثِ العظيمِ الذي سيغيِّرُ مجريات الأحداثِ في الأرضِ، قال تعالى: "وإذْ قالَ ربُّك للملائكةِ إنِّي جاعلٌ في الأرضِ خَليفةً"، وتكريمًا لهذا الكائنِ الجديدِ أَمرَ الله تعالى الملائكةَ أن يسجدوا لآدمَ سجودَ تكريمٍ وتشريفٍ وتعظيمٍ وليس سجودَ عبادة، وقد تكرَّر ذكر أمرَ السجود لآدم في سبعة مواضع في القرآن الكريم لإظهار عظيمِ التكريم لسيِّدنا آدم، ولكن إبليس امتنع عن السجود تكبُّرًا وتعاليًا، قال تعالى: "إلَّا إبليسَ أبَى واستَكبَر وكانَ منَ الكَافرينَ"، وقال تعالى: "فسجدُوا إلَّا إبليسَ لم يَكُن مِن الساجِدينَ"، وبرَّر إبليس عصيانه بقوله كما وردَ في القرآن الكريم: "أنَا خيرٌ منهُ خلقتَني من نارٍ وخلقتَه من طِين"، وقوله: "لَم أكُن لأسجدَ لبشَرٍ خلقتَه مِن صلصالٍ من حَمإٍ مَسنونٍ"، بعدَ ذلك أتى أمرُ الطرد لإبليسَ من الجنَّة نهائيًا إلى يومِ يُبعثون بسبب عصيانِه ورفضهِ لأمرِ ربِّه، قال تعالى: "قالَ فاهبِطْ منهَا فما يكونُ لكَ أنْ تتكبَّرَ فيهَا فاخرُجْ إنَّكَ منَ الصَّاغرين"، لكنَّ إبليس رفضَ حكمَ الله تعالى وتوعَّد بإغواء أبناء آدم من البشر، فردَّ عليه الله -تبارك وتعالى- بقوله: "إنَّ عبادِي ليسَ لكَ علِيهم سلطانٌ إلَّا مَن اتبعَكَ من الغَاوِين" وتلك قصة سيدنا آدم مع إبليس. خلق الله لسيدنا آدم وحواء -عليهما السلام- بيديهِ من طينٍ ثمَّ نفخَ فيه من روحِه وهذا في جميعِ الدياناتِ السماويَّة الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهوديَّة، قال تعالى في كتابه العزيز: "وإذ قالَ ربُّك للملائِكةِ إنِّي خالقٌ بشرًا من صلصالٍ مِن حَمإٍ مَسنون"، وقال تعالى: "وبدَأَ خلقَ الإنسانِ مِن طِين"، وقال تعالى: "فَاستَفتِهِم أهُمْ أشَدُّ خَلقًا أمْ منْ خلَقْنَا إنَّا خَلَقناهُمْ منْ طينٍ لازِبٍ"، وفي الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري أنَّ رسول الله - ﷺ قال: "إِنَّ اللَّه خَلقَ آدَمَ مِن قبضةٍ قَبضَها مِن جَميعِ الأرضِ، فَجاءَ بَنو آدمَ على قدرِ الأرضِ، جاءَ منهُمُ الأَحمرُ، والأَبيضُ، والأَسودُ، وبينَ ذلكَ، والسَّهل، والحزن، والخشنُ، والطّيبُ". ثم خلقَ حواء من ضلعهِ وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ الله -جلَّ وعزَّ- لمَّا خلقَ آدمَ مسَح ظهرَه فجَرَتْ من ظهرِه كلُّ نسمةٍ هو خالقُها إلى يومِ القيامةِ، ونزعَ ضلعًا من أضلاعِه فخلَقَ منهُ حوَّى"، وقد وردَ أنَّ طولَه -عليه السلام- كان ستينَ ذراعًا، قال رسول الله ﷺ: "كانَ طُولُ آدمَ ستِّين ذراعًا؛ في سَبعِ أَذرعٍ عَرضًا". طرد الله لسيدنا آدم وحواء -عليهما السلام- من الجنة عندما طردَ الله تعالى إبليس من الجنَّة، توعَّد إبليس أن يُضِلَّ البشر جحودًا وعصيانًا لأوامر الله تعالى، لذلك حذَّر الله تعالى آدمَ وحواءَ من إغواءِ إبليس اللعين، قال تعالى: "فقُلنا يا آدمُ إنَّ هذَا عدوٌ لكَ ولِزوجكَ فلا يخرجنَّكمَا منَ الجنَّة فتشقَى" ثمَّ نهاهما عن الأكل من الشجرة كاختبارٍ لهما من الله تعالى، قال تعالى: "ولا تَقرَبا هذهِ الشجرةَ فتكونَا مِن الظَّالمين" ، والنهي عن الاقتراب من الشجرةِ مبالغةٌ في التحريم لكنَّ إبليسَ اللعين كان لهما بالمرصادِ يريدُ أن يغويَهما حتَّى يُطردَا من الجنَّةِ كما طُردَ منها، فظلَّ يوسوسُ لهما حتَّى استجابا لإغوائه وأكلا من تلكَ الشجرةِ بعد أنْ نهاهُمَا اللهُ عنها، قال تعالى: "فوَسوسَ إليهِ الشيطانُ قالَ يا آدمُ هل أدلَّكَ على شجرةِ الخلدِ ومُلكٍ لا يَبلى * فأكلَا منهَا فبدَتْ لهمَا سوآتُهما وطفِقَا يخصِفانِ عليهمَا من وَرقِ الجنَّة وعصَى آدمُ ربَّه فغوَى" فوجَّه الله تعالى عتابًا قاسيًا لهما على عصيانهما له تعالى ثمَّ تابَ عليهِما بعد ذلك إنَّه هو الغفورُ الرَّحيم، قال تعالى: "فتلقَّى آدمُ مِن ربِّه كلماتٍ فتابَ عليهِ إنَّه هو التَّوابُ الرحيمُ" لكن في النهاية جاء الأمر الإلهيُّ بإخراج آدم وحواء من الجنَّة وهبوطهما إلى الأرض وتحقيق الوعد الإلهي باستخلافِ الإنسان على هذه الأرض، قال تعالى: "قالَ اهبطَا منهَا جميعًا بعضُكم لبعضٍ عدوٌّ فإمَّا يأتينَّكم منِّي هدىً فمَن اتَّبعَ هدايَ فلا يضِلُّ ولا يشقَى.
إنَّ الله تعالى درّب آدم عليه السلام قبل أن يباشر مهمة الاستخلاف في الأرض تدريباً يؤهله لمسؤولية الاستخلاف في الكون، وكان التدريب في مكان يكفل الحياة والراحة والأمن، وما كان الله ليزج بآدم في ذلك الكون الواسع دون أن يدربه أولاً على مهمته، حيث أوضح الله تعالى له الأوامر وأجلى له النواهي، وحذره من الشيطان، ولم يكتف الخالق الرحيم بذلك، بل قدم لآدم الفرصة للتوبة إن أصابته الغفلة، وأعلمنا الحق كيف أن الشيطان قد ثأر لنفسه من آدم عليه السلام. إذ عصى الشيطان فلم يسجد لآدم، وأراد أن يستأثر بآدم ليوقعه هو وأبناءه في الخطيئة، ولقد نبه الله تعالى آدم لعداوة إبليس، ومع ذلك وسوس إبليس لآدم وقاده إلى الخطأ، ويقول الحق تبارك وتعالى: ﴿فَتَلَقَّىآ ءَادَمُ مِن رَّبـِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ البقرة:37.
ومعنى ذلك أن الله تعالى خلق التوبة، وأنه يقبلها، لذلك فلا وجود لواسطة بين الله وبين البشر، ولا وجود لإنسان بمفرده قادر على أن يحمل عن البشر خطاياهم؛ فخطأ آدم تمَّ تصويبه، أما الخطيئة التي يرتكبها أيُّ كائن من البشر فالخالق يعاقبه عليها، وما فعله آدم ليس خطيئة إنما هو خطأ، أما الخطيئة كالقتل وسفك الدماء والدس بين الناس، وإثارة الوقيعة بينهم فالعقاب عليها، إما في الدنيا وإما في الآخرة ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿قُلَ اَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ اِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىا ثُمَّ إِلىا رَبـِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّـئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ الأنعام: 164.
ويجب ألا ينظر أبناء آدم إلى أبيهم آدم كأول من ارتكب الخطيئة ولكنه ارتكب خطأ، فهو أمن للغفلة والسهو. إن خطأ آدم ليس من ذنوب الاستكبار على الله عز وجل كذنب إبليس، ذلك أن آدم وحواء اعترفوا بخطئهم: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الأعراف: 23. وهنا نرى كيف استغفر آدم ربه؟ لقد تحدث آدم إلى ربه بانكسار، لذلك تاب الله عليه.
-بتصرف-
المصادر:
شاركنا بتعليقك