ظلت أمي تردد جملتها التي حفظناها عن ظهر قلب ولم نعمل بها أبدا (نظموا أغراضكم ... رتبوا مقتنياتكم حتى يمكنكم العثور عليها ... شيء من النظام يريحكم ).
كان الصباح في بيتنا هو مسابقة بيننا لكي يجد كل منا ملابس المدرسة ونتصايح متسائلين أين كتابي؟.. أين كراستي؟.. أين قلمي ؟.. أين حقيبتي ؟.. أين حذائي ؟... أين شرابي ؟... أين ردائي ؟.. أين لعبتي ؟ ...
وهكذا كنا ندور حول أنفسنا وننفق كثيرا من الوقت حتى نكون مستعدين للذهاب إلى المدرسة أو حتى إلى نزهتنا الأسبوعية، كل هذا وكانت أمي المسكينة تدور معنا هنا وهناك تساعدنا في العثور على أغراضنا.
يئست أمي من حالنا... نحن ثلاث صبية لا نحب النظام ولم نتعود على وضع أغراضنا في أماكنها الصحيحة أي أننا لم نحب أبدا أن ننفذ أوامر أمي أو أن نسمع نصيحتها فيما يتعلق بحفظ أشياءنا في مكانها الصحيح.. أبدا ولم نفعل ما لا يكلفنا أي مجهود دون التفكير في تنفيذ نصيحة أمي لنا... فكنا حين نعود من المدرسة أو الخارج تتحول حجرتنا بل منزلنا كله إلى ساحة من الفوضى فتجد كل قطعة من الملابس في مكان... كذلك حين ننتهي من إنجاز واجبتنا المدرسية .. تجد كتبنا وكراسات الواجب المنزلي والأقلام والمساطر والممحاة أو الاقلام الملونة ملقاه في كل مكان.
كانت أمي في البداية تدور خلفنا لتصلح ما أفسدناه و تضع كل شيء مكانه... وتعلق الملابس على الشماعة وترتب الحقائب المدرسية وما هي سوى ساعة واحدة فقط حتى تجد أن الفوضى قد عمت كل المنزل باللعب وعادت الفوضى إلى منزلنا مرة أخرى.. وأنا أيضا كثيرا ما تعرضت للمشاكل في المدرسة بسبب عدم عثوري على كراسة الواجب المنزلي أو كتاب كان من الضروري أن يكون معي خلال الحصة ولم أضعه في حقيبتي... وبعد أن أنال عقابي من معلمي أعود إلى المنزل لأبحث عنه وكثيرا ما أجده في حقيبة أخي أو تحت وسادة السرير أو حتى تحت السرير...وربما لا أجده أبدا ،تعبت امي من إصلاح حالنا فكفت عن متابعتنا وتركتنا نتحمل نتائج تصرفاتنا الفوضوية.
هكذا كان حالنا حين جاءت جدتي لتعيش معنا ولاحظت ما كنا عليه من فوضى فقررت مساعدة أمي على إصلاح حالنا
وذات يوم سمعت أخي الأكبر يسأل ( أين ردائي الرياضي؟ ... أين هو؟.. لقد خلعته هنا بالأمس؟ ) جاء صوت جدتي تقول... هل علقته على شماعة الملابس في حجرتك؟
أجاب أخي: ... لا.. كان هنا على هذا الكرسي... ابتسمت جدتي وقالت: إذا هو في البرميل.
نظرنا كلنا إليها في دهشة.... تساءل أخي: برميل .. أي برميل؟
قالت جدتي: البرميل الموجود في حجرة الخزين أعلى المنزل.... صحنا جميعا في دهشة واستنكار؟ في حجرة الخزين؟!!
أسرعنا جميعا نصعد إلى هناك... وجدناه .. برميل كبير وضع في آخر الحجرة وبصعوبة كبيرة استطعنا الوصول إليه .. حاول أخي أن يقلبه على جانبه ليصل إلى ما بداخله ولكنه لم يفلح فقد كان البرميل عميقا جدا أكبر من قامتنا الصغيرة ومثبتا إلى الأرض ولم نستطع ان نقلبه.... تدلى أخي في جوف البرميل ..وهناك وجد رداءه في القاع... بذلنا جهدا كبيرا في مساعدته حتى خرج من البرميل اللعين ومعه الرداء.
في اليوم التالي ....بحثت أنا عن كتاب المطالعة الذي كنت أقرئه أمس، ولكني لم أجده تذكرت انني رميت به من يدي بعد أن قرأت الدرس و .... ترى أين تركته؟ أو بالأصح أين رميت به؟... هنا... بالحجرة... لا....هنا في الصالة... لا... هنا بالــ..... اه تذكرت كنت أجلس على طاولة الطعام ... نعم هنا.... ولكني لا أراه.... ترى أين هو؟ صحت أسأل أمي ...أين كتاب المطالعة؟ ....لم أسمع إجابة من أمي... لم تعد تساعدنا في البحث عن أغراضنا.... صرخت بصوت أعلى ...أين كتاب المطالعة؟... جاء صوتها من المطبخ.. ابحث عنه، نظرت إلى جدتي .. ألم تري كتابي يا جدتي؟... ابتسمت جدتي وقالت: عادةً أين يوضع الكتاب؟ قلت: في ...في...في الحقيبة تساءلت جدتي: أو؟ قلت: أو على المكتب .... قالت: هل وضعته هناك؟ .... قلت: لا.... قالت: إذا ابحث عنه في البرميل...صرخت في تزمر.... البرميل ثانيا؟ ...... أسرعت إلى حجرة الخزين .. وهناك وجدته في قاع البرميل اللعين ... حاولت أن أمسك به، ولكن قامتي مازالت صغيرة على اجتياز تلك المسافة، بين حافة البرميل وقاعه....خجلت أن أطلب المساعدة.... نظرت حولي لم أجد سوى كرسي قديم مستندا على الحائط ....أسرعت بإحضاره وتسلقه، وتدليت داخل البرميل، حتى لامست يدي الكتاب وأمسكت به .... وحاولت الاعتدال لأغادر البرميل ولكني لم أستطيع رفع قامتي مرة أخرى..... صحت أنادي أمي .... ولكنها للأسف لم تسمعني، لأننني كنت في أعلى المنزل بعيدا عنها .....كررت ندائي وأنا متدلي داخل البرميل مرة ومرات ... لكن لا فائدة .... لم يسمعني أحد .. عانيت الكثير حتى خرجت من البرميل...... أف أسلوب متعب (هكذا هتفت وأنا أتنفس بصعوبة).
بعد أيام قليلة جاء أخي الصغير يبكي، باحثا عن لعبته المفضلة التي كان يلعب بها أمس نظرت إلى جدتي فوجدتها تبتسم.....فعرفت أين سأجد اللعبة ...قلت لأخي: تعال معي سنجد لعبتك صعدنا إلى حجرة الخزين، وهناك في قاع البرميل وجدنا اللعبة ....ساعدت أخي على التقاطها.
بقينا على هذا الحال أكثر من شهرين .... ويوما بعد يوم اعتدنا على تجنب التعامل مع البرميل بوضع أغراضنا في مكانها المناسب بدلا من الصعود إلى حجرة الخزين والبحث في البرميل... لكي نتجنب المعاناة التي نتكبدها حتى نستعيد أغراضنا... لقد وعينا الدرس الذي أرادت جدتنا أن تعلمنا إياه.... عودنا أنفسنا على تنفيذ نصيحة أمي ( شيء من النظام يريح ) ولم يمض وقت طويل حتى أصبحنا نضع كل شيء في مكانه الصحيح .... وكلما أراد أحدنا أن يؤجل وضع شيء في مكانه المناسب ... يتخيله ملقي في قاع البرميل.... فيسرع بوضعه في مكانه الصحيح... وهو يردد:(شيء من النظام يريح).
المصدر: مدونة حي بن يقضان
شاركنا بتعليقك