إن موضوع الصحة النفسية والمدرسة غامر شامل متشعب مسرف في التشعب، وحسبي أن نقتصر في كتابتي على بعض النقاط التي تلتقي عندها أهداف المدرسة كمؤسسة تربوية اجتماعية، وأهداف الصحة النفسية كوسيلة لتحقيق الكفاية والهناءة للفرد والمجتمع معا، ومعاونته على أن يعيش حياته يأخذ من الحياة خير ما فيها، ويعطيها خير ما عنده، ويهنأ بالأخذ كما يهنأ بالعطاء، ويلتقي رجال الصحة النفسية مع رجال التربية عند هدف موحد، أن نؤمن ثم نعمل بهذا الإيمان بأن الإنسان السعيد هو الإنسان الطيب من يملك القدرة على أن يعمل برضا في غير ضجر، وعلى أن يحكم بإنصاف وعلى أن يسهم ولو بأقل الجهد في سبيل الخير العام، وإذا صدق هذا الهدف فإنه لأكثر صدقا وأدق انطباقا على الفرد في المراحل التكوينية للحياة أثناء الطفولة المبكرة وفي الفترة السابقة للمدرسة ثم خلال مرحلة الدراسة على حد سواء، ولذلك كان من المحتم كي تكفل الرعاية الصحية النفسية للتلاميذ، لا ما يلبي حاجة العلاج النفسي إذا وقع فحسب، بل ما يحقق أصول الوقاية من الاضطراب قبل ذلك ولنحاول أن نرى ما هو دور المدرسة والمعلم في تحقيق الصحة النفسية للطلبة ووقايتهم من الاضطراب النفسي.
وبعد انقضاء سن الطفولة الأولى تبدأ المدرسة تسهم مع البيت في مهمة مساعدة الأطفال على النمو الذهني والانفعالي والاجتماعي وتزداد أهمية الدور الذي تقوم بها المدرسة في نمو شخصيته بازدياد تحرره من البيت.
إن أسس الصحة النفسية تبدأ في البيت خلال السنوات التكوينية الأولى لحياة الطفل مع أسرته، ولكن المدرسة تظل رغم ذلك ذات أثر تكويني في حياة الطفل وشخصيته، لا يكاد يقل عن أثر البيت ذلك أن المفهوم الحديث للمدرسة لا يقتصر على مجرد كونها مكانا يتزود الطفل فيه فحسب، بل مجالا تتفتح فيه شخصية الصغير وترقى وتنبه في جوه خير إمكانياته وتنمي فاعليته مع المجتمع، فإذا وفقت المدرسة في تحقيق رسالتها على هذا النحو فقد وفقت في تكفل لأبنائها خير الأجواء ملاءمة لصحة نفوسهم.
وليست المدرسة التي تستطيع تحقيق هذا الهدف مجموعة من التلاميذ في بناء يحتويهم جماعات، وفناء يتيح لهم قدرا من الحركة والنشاط فحسب، ولكنها أولا وقبل كل شيء ألوان من العلاقات الحية المتشابكة تشترك فيها بكيانها المادي وجوها المعنوي، وأعضاء الهيئة التربوية والصحية وتلاميذها معا، ومستهدفة آخر الأمر تنشئة جيل سليم صحيح النفس تعلم أفراده كيف يحبون، وكيف يعملون للنجاح، وكيف يقابلون الفشل، وكيف يحاولون التوافق من جديد، كيف يتنازلون عن بعض الرغبات إذا لزم الأمر، وكيف يقبلون على الحياة بأمل وحماس، وبالإيحاء يكف يحققون النضج الانفعالي الذي هو حقيقة نواة الصحة النفسية، فالنضج الانفعالي هو العلامة المميزة للمواطن الصالح.
ويدخل في اهتمام المدرسة بالصحة النفسية السليمة للطفل كل من:
دور العلم في تحقيق الصحة النفسية للتلميذ
لابد من التأكد إن المدرس بالنسبة للتلميذ يقوم بدور الأب، والمشرف، والرئيس، والخبير، والمعلم، والعالم، والصديق، والموجه، والمعالج، وتختلف أهمية الدور الذي يقوم به وفقا لشخصيته من ناحية ومن ناحية التلاميذ الذي يشرف عليهم من ناحية أخرى، وأيا كان الدور الذي يقوم به فعليه تقع مسؤولية جسيمة في ضرورة فهم دوافع السلوك ومشكلاته، وكيفية معالجة الانحرافات الصغيرة في مهدها، لأن معظم مشكلات التلاميذ يمكن أن تخضع للتوجه المستنير، ولذلك يجب ان يكون المدرس متزنا ناجحا خاليا من عوامل القلق مؤمنا برسالته متفانيا فيها من واقع إيمانه بقدسيتها فيعطي التلميذ الفرصة لإشباع حاجته إلى النجاح، فالنجاح هو الذي يجعل الطفل يثق في نفسه ويشعر بالأمن ويبذل محاولات عديدة لتحسين سلوكه ونمو شخصيته.
-بتصرف-
المصادر:
- كتاب: الحب والصحة النفسية لأبنائنا، كلير فهيم دار المعارف، القاهرة. ص 172- 179.
- كتاب: أولادنا والمدرسة، كلير فهيم، دار جهاد للنشر والتوزيع، ص 7.
شاركنا بتعليقك