إسهامات

اعتمد بنو مزاب على الفلاحة وواصلوا تذليل الصعاب وتسخير إمكانياتهم المحدودة جدّا لتوسيع البقع الخضراء، التي أصبحت بذلك واحات، فقد كانوا ينهجون نظام التقشف في حياتهم اليومية ويطبقون مبدأ الاكتفاء الذاتي. وظلت النخلة محور اقتصادهم، منها يتقوَّتون وبعناصرها يتخذون سقوف بيوتهم، ويصنعون أثاثهم وأوانيهم، وفي ظلالها يستريحون من تعب الكد وحرارة الطقس صيفا، وتحتها يزرعون بعض البقول والفواكه.

إلا أن ذلك لم يكن بالأمر الهين. فالأراضي الصالحة للزراعة كانت ضيقة، والرياح الموسمية لم تكن لتسهّل مهنة الفلّاح، وفوق كل ذلك مشكل ندرة المياه. إذ أن الأمطار لا تنزل بصفة منتظمة، فقد تتعاقب السِّنون ولا تجود السّماء بقطرة ماء. وقد تتهاطل الأمطار كالطوفان في دقائق معدودة، فتحمل الأودية بغزارة وتجرف معها التربة الصالحة والأشجار والمحاصيل، إذا لم تكن هذه عرضة لإبادة البرد.

انكب بنو مزاب، لإحياء واديهم، على حفر الآبار، بعزيمتهم الصادقة وصبرهم الدؤوب، فحفروا نحوا من ثلاثة آلاف بئر يتجاوز عمق الكثير منها ثمانين ذراعا، وأحدثوا حول هذه الآبار حدائق النخيل يتجاوز عددها مائتي ألف نخلة.

يتم نزح الماء من البئر بوادي مزاب، بواسطة الجمل أو الحمار أو البغل، أو أحيانا أخرى على ظهر الجسم حين لا تتوفر الدابة "أَجْبَادْ فْتِشَرْمِينْ". فيقوم الجمل بجذب الدلو بواسطة حبلين يمران على بكرتين، وذلك باتباع درب مائل يخفف عليه مشقة الجذب. وعند إفراغ الدلو في الحوض تعود الدابة في اتجاه البئر لتكرر العملية. يرافق الفلّاح الحيوان ذهابا وإيابا، لحثّه على السّير ومساعدته في الجذب وتفريغ حمولة الدلو في الوقت المناسب. هذه الحمولة تتراوح بين عشرين وثلاثين لترا. ومعدل النزح مرتان في الدقيقة الواحدة، لا يؤنس الفلاح إلا موسيقى ثنائي البكريين أو ما يكرره من آيات القرآن.

وقد يعمد صاحب أرض بيضاء بها بئر إلى استغلالها بواسطة أجير. وغالبا ما نجد شركاء متعددين لبئر واحدة. يتم تقسيط استغلال مياهها ليلا ونهارا، فيقسم اليوم الواحد إلى أربع وعشرين خروبة، وتشمل الخروبة ثمانية أثمان وأربعة وعشرين موزونة، والموزونة تنقسم إلى ثلاثين درهما. الحصص الليلية تسمى السوداء وحصص النهار البيضاء.

إن ملكية ماء البئر مستقلة تماما عن ملكية الأرض، ويمكن لكل شريك في ماء البئر أن يبيع بعض حصصه أو كلها أو يكري البعض منها.

هناك آبار خاصة من حيث أن عيونها لا تنبض ولو في أوقات الجفاف، هذه الآبار تسمى "الوَرْوَارَا" وبديهي أن ثمن هذه الآبار وثمن حصص فيها في منتهى الغلاء.

كثيرا ما تنضب عيون عدد من الآبار العادية، فيضطر أصحابها إلى جلب الماء من مسافات بعيدة، بواسطة قنوات، ماؤها عرضة للتبخر والتسرب. من هنا يتبين لنا ما للماء من قيمة غالية. فقد كان أهل مزاب يحرصون على الاستفادة من كل قطرة مطر تنزل من السماء، فبنوا على سفوح الجبال المحيطة بالواحة سواقي لجمع مياه المطر وتوجيهها إلى الأجنة، كي تستغلّ ولا تضيع.

-بتصرف-

المصدر: كتاب تاريخ بني مزاب. يوسف بن بكير الحاج سعيد. ص40-42.

(1) تعليقا

1 فيفري 2019

موضوع مهم وثري......بارك الله فيكم

شاركنا بتعليقك