تعتبر القدوة في حياة الإنسان مصدرًا أساسيًا من مصادر التربية الّتي من خلالها تتكوّن ملامح شخصيّته، وهي الهدف الّذي يسعى إليه ليجد فيه كمالاته الّتي ينشدها.
ولكن!!
إذا تأمّلنا من حولنا في الواقع الّذي يعيشه أطفالنا، نراهم متأثرين جداً بشخصيات متعددة، إما كرتونية أو خرافية، وحتى واقعيّة، ولكنها تحمل أفكاراً غربيّة بعيدة من ثقافتنا العربية وحتى الإسلاميّة، هذه الشخصيات في تواصل دائم مع أولادنا من خلال الشاشة الصغيرة "التلفاز"، حيث يمضون في مشاهدتها ساعات طويلة دون ملل أو كلل. ولكن الأهمّ، إلى أيّ مدى تؤثّر هذه الشخصيات في أطفالنا، وخصوصاً مع محاولة عدد من الأطفال تقليد "سبيادرمان" أو "سوبرمان" وغيرهما من الشّخصيّات؟ وما هي المخاطر التربوية التي يرصدها المتخصِّصون في هذا المجال؟
تشرح الاختصاصية في الإدارة التربوية، الأستاذة (فاطمة نصر الله) هذا الجانب، معتبرةً أنّ الشخصيّات التي تعرض على شاشات التّلفزة وغيرها من الوسائل أو الوسائط، تلعب الدَّور المؤثّر في تشكيل القدوة أو النّموذج لدى الأطفال، نظراً إلى قدرتها البالغة للتّأثير فيهم، وذلك فيما يتعلّق بالتقنيّات الفنيّة العالية والجاذبة الّتي تستخدم أثناء تقديمها للأطفال، وبمختلف مراحلهم العمريّة، مشيرةً إلى حالة التّماهي الّتي تحصل لدى الطفل، من خلال اندماجه النفسي مع شخصيّة البطل داخل القصّة التي يشاهدها، سواء كانت عبر شاشة التّلفاز، أو من خلال الألعاب الإلكترونيّة التي تتطلّب من الطّفل المحرّك لهذه اللّعبة أن يقوم بدور البطل، الّذي غالباً ما يمارس أعمالاً عدوانيّة، أو أعمالاً بعيدة كلّ البعد عن تمثّل القيم الإنسانيّة العليا.
وتضيف: " أمّا الشخصيّات الفنيّة التي تطال فئة الناشئة، فإنها لا تقلّ خطورة عن الشّخصيّات الكرتونيّة أو الإلكترونيّة، من حيث البعد عن القيم والمفاهيم الإنسانيّة العليا.. هذا إضافةً إلى أنّه تجتمع في الشخصيات الفنيّة العديد من الصّفات، سواء التي تعلّقت بأسلوب اللّباس، أو بطريقة الكلام أو العادات أو الأفكار وغيرها، ما يجعل من هذه الشخصيّة نموذجاً تجتمع فيه كافّة المواصفات الرّديئة الكفيلة بتشويه شخصيّات الأطفال والنّاشئة، والابتعاد عن القدوة الحسنة.
مفهوم القدوة تربويّاً:
تشرح الأستاذة نصر الله مفهوم القدوة من النّاحية التربويّة، مشيرةً إلى أنَّ القدوة تتمثّل غالباً في شخصيّة مرموقة ومعتبرة، تجتمع فيها الفضائل والصِّفات الحميدة الّتي تعين الفرد على نفسه من النّاحية التطبيقيّة، وكذلك إبراز السّلوك الحسن في شخصيّته بشكل عامّ، أمّا فيما يتعلّق بالأطفال، فإنّ "القدوة الأساسية والأولى في حياتهم، تبرز من خلال وجود الوالدين اللّذين يشكّلان النموذج الأوّل في حياتهم، والذي من خلاله يتعلمون تبنّي القيم والمثل العليا، بناءً على ما يتبنّاه الوالدان نفسهما، هذا فضلاً عن التّطبيقات والسلوكيّات التي يراقبها الأطفال عن كثب، والتي تصدر عن الوالدين، وبالتّالي، فإنّ أيّ خلل يصدر عنهما، سواء في تبني القيم الدّينية والأخلاقيّة والاجتماعيّة وغيرها من القيم، أو في التعبير السلوكي من خلال التصرفات والأفعال الصّادرة عنهما، فإنّ ذلك سيمثّل للأطفال النموذج الذي يحتذى لديهم".
وردّاً على سؤال حول ما إذا كانت القدوة تكون بالأفعال أو بالأقوال، تؤكّد نصر الله أنّه لا يمكن الفصل ما بين القول والفعل حين نتكلّم عن الإنسان القدوة، اللّذين يعتبران الأساليب الأساسيّة الّتي يعتمدها الإنسان في حياته للتّعبير عن موقف أو حاجة أو غيرها.. لذلك فإنّ الذي يصدر عن الإنسان من الأقوال والأفعال، ما هو إلاّ انعكاس لقناعته وأفكاره المدعومة من المعتقدات والقيم الّتي يتبنّاها كمبادئ وأسس تحكم تلك الأفعال والأقوال الّتي تعبّر بظاهرها عن ماهيّة شخصيّة الإنسان.
القدوة الحسنة مسؤوليَّة الأهل:
1. على الأهل أن يحرصوا على أن يرى فيهم الأولاد صدق المواقف والتربية، فقد نرى كثيراً أنّ الأهل يمنعون أولادهم من رؤية فيلم على التّلفاز لأنّه غير أخلاقيّ، كالأفلام المكسيكيّة، ولكن عندما يرى الأولاد أنَّ آباءهم يحضرون هذه الأفلام مثلاً، فسوف يكون كلامهم كالهباء المنثور، ليس له أيّ وقع في نفوسهم، وبالتالي، عندما تغيب عين الأهل عنهم، سوف يحضرون هذه الأفلام، مبرّرين ذلك بأنّها لو كانت حراماً لما فعلها أهلهم. على الأهل أن يراعوا هذه النّقطة أشدّ المراعاة، لأنَّ شاشات التلفزة أصبحت رفيق كلِّ بيت يدخل بيوتنا من غير استئذان، فكما تحرص أيّها الأب على أن تختار لابنك أصدقاءه خوفاً من الفلتان، فاختر لولدك الشّاشة الملتزمة، وكن صادقاً في فعلك وقولك.
2. ضرورة أن يناقش الآباء أبناءهم في مواضيع معيّنة، وأن يحاولوا أخذ رأيهم فيه، فإنّ هذا الأمر سوف يعزِّز شخصيّة الولد ويقوِّيها، ويشعر من خلال هذه المناقشة بأنّه أصبح راشداً. أضف إلى ذلك نقطة مهمّة، وهي أنّ النقاش يفتح آفاقاً فكرية كبيرة للولد، وإذا كان النّقاش والحوار على أصوله، فإنَّ ما يتوصَّل إليه سوف يلتزم به الولد، لأنَّ هذا هو رأيه واعتقاده. ومن الضّروريّ أن تطرح على ولدك بعض المواضيع الّتي هي مثار جدل، والّتي تخشى عليه أن يتأثّر بها، وناقشه فيها، وبيّن له خطأها بأسلوب النقاش لا بأسلوب الإملاء، لأنَّ أسلوب الإملاء كثيراً ما ينفر الأبناء منه، بينما لو كان نقاشاً، فإنّ الأمر سيختلف اختلافاً جذريّاً.
أهميّة السّلوك في بناء القدوة:
على الوالدين أن يدركا أنه من خلال الأفكار والمعتقدات والقيم الّتي يتبنّيانها في الحياة، سينعكس ذلك على أبنائهم، وذلك من خلال المحاكاة والمراقبة، ونقدّم لهما النّصائح التّالية:
ختاما:
إنّ أولادنا هم عيّنة مصغّرة عنّا، عن أخلاقنا وقيمنا، يتصرفون كما نتصرّف، ويتحدّثون كما نتحدّث، وينطقون بما نعلّمهم وبما ننطق، فلنسع لتقديم النموذج الحسن في سلوكيّاتنا وأقوالنا وأفعالنا، ولنراع الله في علاقتنا معهم، حتى نكون لهم الملجأ والأمان والقدوة الحسنة في هذه الحياة، حتى لا ينفروا منّا ويجدوا ضالّتهم عند مشاهير وشخصيّات فنيّة أو وهميّة، لا تجلب لهم الخير، وربما تقودهم إلى ما لا يحمد عقباه.!
إنّ من يريد لأبنائه أن يكونوا من جيل التمكين، عليه أن يكون في تربيته القدوة لهم، وأن يعرض عليه –بشتى الطرق والأساليب،- قدوات حسنة وعظيمة ومؤثرة وفاعلة في المجتمع والحياة؛ يقرؤوا عنها، أو يحاكون بها، حتى يحذوا حذوها.
-بتصرف-
المصدر: موقع بيِّنات
شاركنا بتعليقك