إسهامات

إذا تأملنا في واقع بعض المجتمعات في ضبط تعاملاتهم المالية، فنجدها تتخبط في مشاكل كبيرة، نجد الكثير من الأسر تنازعت بسبب معطيات غامضة لم تُكتب أسبابها، وشركاء دخل الشيطان بينهم بسبب تصرفات لم تضبط ومبالغ لم تُبين مصارفها، ومحسناً أقرض صاحبه فمات المحسن ولم يعلم أحد بهذا الدين، والمضارب ورب المال ثم إذا خسر المضارب جاءه صاحب المال يدعي المال قرضاً!!

لأن كثيراً منا لم يدرك أهمية التوثيق، وتنوع الطوارئ التي قد تواجهه، وهذا كله راجع إلى الجهل وعدم المعرفة، إذ أن الكثير من أفراد المجتمعات لا تفرق بين الثقة والتوثيق في المعاملات المالية فكلما زادت ثقافة مجتمع ما، ارتفع سقف التوثيق لديه، وكان حظ العاطفة ضئيلاً أو منعدماً، والمجتمعات التي تبرز فيها العواطف والمجاملات تجدها ضعيفة الضبط والتوثيق.

فالتوثيق له أهمية بالغة في جميع التعاملات في شتى مجالات الحياة، وأصله ما أكده القرآن الكريم بقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق"، واليوم مع تطور القانون والأعراف أصبح التوثيق يحظى بأهمية كبيرة خاصة ومع ظهور الكثير من المعاملات المالية المشبوهة.

معنى التوثيق

التوثيق هو التسجيل والحصول على معلومات ثابتة غير قابلة للإنكار والطعن في معناها الأصلي، كما أنه يترتب على التسجيل أن يكون حجة بالنسبة إلى أصحابه وإلى غيرهم فهو يبين عناصر كل اتفاقية معقودة بين شخصين أو أكثر ويضمن حجيتها أمام القانون، وأيضا يحسم النزاع بين الأطراف المتعاقدة، موضحا لكل شخص ما له وما عليه من واجبات وحقوق تجاه الآخر.

العلاقة بين الثقة والتوثيق

أولى الإسلام الثقة بين المتعاملين أعظم اهتمام، باعتبارها روح المعاملة وقلبها النابض، فحث على الأمانة والصدق، وشنع على الخيانة والكذب، وشرع بعض العقود والتصرفات التي تضفي على المعاملات مزيدا من الأمانة، فشرع كتابة الدين والشهادة عليه، وأنزل الله تعالى في ذلك آية الدين، وهي أطول آية في القرآن الكريم، لبيان أهمية الائتمان في معاملات الناس، وذلك لحبس النفس الظالمة، وضبط الذاكرة الضعيفة، وحفظ المال من الضياع. وشرع الإسلام لذلك.

ومن مقاصد الشريعة التي جاء بها الإسلام حفظ الضروريات الخمس، ومن ضمنها المال، ولعل من وسائل وأسباب الحفاظ على المال: كتابة العقود وتوثيقها بمختلف أنواعها خاصة في هذا الزمان حيث قل الوازع الديني عند بعض الناس وزاد طمعهم، كما أن الاعتماد على مسألة الثقة بين الناس ليس مضموناً لأن قلوب الناس متقلبة وأحوالهم مختلفة من حيث قوة الذاكرة وضعفها، كذلك قد يكون المتعاقدان وقت العقد على وفاق ومحبة وعند تنفيذ العقد يقع بينهما العداوة والنزاع فتضيع الحقوق ويترتب على ذلك رفع القضايا في المحاكم والتي قد تستمر لسنوات، لذا كان من الأمور المندوبة شرعاً ونظاماً توثيق العقد مهما كان نوعه.

فتوثيق الديون مثلا حافظ للنفوس من الاعتداء عليها سواء كان الاعتداء نفسيا، أم جسديا، لما قد ينشأ من عدم التوثيق، من التشاجر، والاختلاف بسبب النسيان، أو النكران، أو المماطلة. والأمن على النفوس مقصد شرعي ضروري.

مراعاة هذه المقاصد المالية، والاجتماعية لتوثيق الديون لها أهمية عظيمة، وفوائد كثيرة منها:

- حفظ الحقوق المالية من الضياع، والتلاعب، لأن توثيقها يضمن ذلك لها سواء على مستوى الأفراد أم على مستوى المؤسسات المالية.

- حفظ القيم، والأخلاق في المجتمع كالأخوة، والمحبة، والثقة.

- تحقيق العدالة، والحماية الاجتماعية بتداول المال بين أفراد المجتمع.

- الانضباط في التعامل بالتداين بأن لا يكون إلا لحاجة ملحة.

لذا فلا تعارض بين الثقة في الشخص، وبين توثيق الحقوق معه.. حيث يجب علينا توثيق معاملاتنا حتى مع المقربين وأعزّ الناس إلينا، وتذكّر دائما بأن: "التوثيق لا ينافي الثقة".

-بتصرف-

المصدر:

- موقع صحيفة الجزيرة السعودية.

- موقع إسلام ويب.

- موقع صحيفة مال.

شاركنا بتعليقك