الحديث عن البدائل مهم من أجل التنمية الذهنية للأطفال، ومن أجل تنمية الجانب الفكري لديهم، وللأسف الشديد حينما نجلس ونتحدث في مجالس سمرنا، يذهب ثمانون في المئة من وقتنا في الحديث عن المشكلات، فالكل يشكو، ولا نجد أحدا يعجبه أي شيء.
من المعلوم أن الوعي البشري قد اخترع الشكوى من سوء الأحوال، ومن أجل أن يتخذ من الشكوى محرضا على التقدم، وعلى النهوض.
فالشكوى لها وظيفة نهضوية، وهي ألا يستسلم الناس وأن يعرفوا أنهم في وضع سيء وأن يعملوا على تحسين ذلك الوضع، وفي كثير من الأحيان لا تكون الشكوى مطابقة للحقيقة والواقع.
ولو أنك رجعت إلى التاريخ لما وجدت أهل أيّ زمان راضين عن زمانهم، وعدم الرضا هذا عند كل الأمم، فالكل يشكو، وعندما نتحدث عن الحلول نعطيها عشرين في المئة من الوقت والتفكير، وفي أحيان كثيرة لا نعطي من وقتنا دقيقة واحدة لأي حل، وقد حضرتُ عديدا من المجالس ولم أستمع فيها حلا لمشكلة، فالمجلس يبدأ بشكوى، وينتهي الشكوى، ويختم باليأس والإحباط.
نحن لا نريد هذا، فما من مشكلة إلا ولها حل، لكن هذا الحل قد لا يكون مرضيا، وقد يكون سيئا ولكنه أفضل المتاح.
ويظن الأطفال من كثرة شكوانا أن الدنيا مقلوبة رأسا على عقب: لا خير فيها، ولا نجاح، ولا صلاح، ولا أمانة ولا رفاهية....إلخ.
وهذا ليس صحيح بالتأكيد، فبشكل عام يعيش 80% من البشر الآن في رفاهية أكثر مما كان عليه الناس قبل خمسين سنة، والمطلوب أن نضع حلا لأي مشكلة تُطرح، وأن نناقش هذا الحل، ونذكر إيجابياته وسلبياته.
مثال: شكوى الطفل من أعباء المدرسة، ويُقَررُ قائلا: "لا أريد أن أستمر في الدراسة..." على والده أو من يقوم بتربيته أن يسأل ما البديل عندك عن ترك المدرسة؟
سيقول الطفل: البديل أن أذهب وأعمل في متجر.
نقول له: لو عملت في هذا المتجر خمسين سنة فلن يزيد راتبك عن كذا وكذا، فهل تستطيع أنت بهذا المبلغ المحدود الصغير أن تؤسس أسرة وأن وأن .....
فكلما ذكر حل ولم يعجب، أو وضعية ولم تُعجب نقول: ما البديل عن هذه الوضعية؟ إن الكثير من المثالية التي في أذهان الناس تتبخر عند حديثنا عن البدائل، لأن الكلام سهل، وكما يقولون: " الكلام ببلاش".
وعندما ينقد الناس وضعاً ما، يجب أن نقول: كلامكم كله صحيح، لكن ما البديل عن هذا، وما الذي يجب عمله، وكيف نحل هذه المشكلة؟ إن 80% من أوقاتنا تذهب في تصوير المشكلات، و20 % تذهب في حل المشكلات، والمطلوب هو العكس، وفي كل مكان يجب أن نتوجه إلى السؤال المهم: ما الحل لهذه المشكلة؟
وأكثرنا لا يحب أن يتكلم في الحلول، لأن الحلول تُرتب علينا واجبات، ومعظم الناس غير مستعدين لأن يسهموا في أي حل، بل يتم النقد، وتوزع التهم هما وهناك.
لذا من الضروري أن نربي الأطفال على قضية: "ما من شكوى وما من مشكلة إلا ويجب أن نبحث لها عن حل، أو نصف حل".
كما أنه ما من مشكلة يطرح لها حل إلا وهناك أناس يُجندون أنفسهم لزرع الإحباط، ويقولون: هذا حل سيء وعندما نقول لهم: ما البديل عن الحل السيء؟ لا نسمع لهم صوتا ونحن نرضى في كثير من الأحيان بالحل السيئ لأنه أفضل الموجود، وهو الحل المتاح حاليا.
إذن علينا أن نؤكد على قضية الحلول، وعلى قضية الحلول، وعلى قضية البدائل في تنميتنا الفكرية للأطفال.
_بتصرف_
المصدر: كتاب: كيف نرتقي بفكر أبنائنا؟، د.عبد الكريم بكار، دار الخلدونية، ص 16-19.
شاركنا بتعليقك