ينسبون إلى عيسى الله أنه قال: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان". وهذا هو عين الحقيقة؛ حيث إن الله -تعالى- فطر الإنسان على الاحتياج إلى الكثير من الأشياء، وليس الطعام والشراب سوى شيء يسير من حاجاتنا، وإن الكمال البشري والتقدم الإنساني منوطان بمدى إشباعنا لحاجاتنا الروحية والنفسية والعقلية، وعلى مدار التاريخ كان إدراك الناس لحاجات الجسد أوضح وأقوى من إدراكهم لحاجات الروح والعقل، وهذا مفهوم؛ فتلبية حاجات الجسد من أجل البقاء أحياء، أما تلبية حاجات العقل والروح فمن أجل التعرف على الله -تعالى- وفهم الإسلام حق الفهم ومن أجل السعادة والارتقاء ورؤية الكون على ما هو عليه، وهذه لدى الوعي البشري لا تصف مع الضروريات، أما الآن فلعلي أوجز المحفزات على الاهتمام بتحبيب القراءة للأطفال في النقاط التالية:
1. السنوات الست الأولى هي السنوات الحاسمة في تشكيل رغبات الطفل وميوله واتجاهاته، ولهذا فإن الاهتمام بتحبيب القراءة إليه في هذه السن يعد مهما للغاية، وبعض الأهل يظنون أن الرغبة في القراءة أو عدم الرغبة، من الأمور التي تولد مع الطفل؛ ولهذا فإنهم لا يبذلون أي جهد يذكر في تحفيز أبنائهم، وبعضهم يظنون أنهم يستطيعون جعل الطفل يمارس القراءة متى ما شاؤوا؛ ولهذا فإنهم يهملون هذا الأمر، فيكبر الطفل، ويدخل في مرحلة المراهقة دون أن يصبح له أي شغف بالقراءة.
وإن لدينا عددا كبيرا من الشواهد والدلائل على أننا إذا لم نزرع في نفس الطفل التآلف مع الكتاب في الصغر، فإن من الصعوبة بمكان أن ننجح في ذلك في الكبر، وكما أن زراعة كثير من الخضروات لا تتم إلا في بداية الشتاء، وبعضها لا يتم زرعه إلا في الربيع فإن لتوجيه الرغبات وبناء الاتجاهات وقتا مثاليا، لا ينبغي التأخر عنه:
أحد الآباء لم يفطن إلى تعويد ابنه القراءة إلا بعد أن صار في الحادية عشرة من عمره، وحين أراد ذلك وجد أن ابنه قد تعلق بالكثير من الألعاب والأصحاب، وصار مدمنا على متابعة بعض القنوات، فلم يستجب لنصائح أبيه، بل كان يظهر نحوها نوعا من الاستغراب والتذمر، وصار الأب يشكو من ذلك، ويقول: قلت لابني: أنا مستعد لشراء أي كتاب تريده، كما أنني اشتريت له دراجة غالية الثمن حين وعدني بأن يقرأ كل أسبوع قصة مناسبة لعمره، لكنه لم يفِ بوعده، والآن صار يتنقل من صف إلى صف بصعوبة، وصارت درجاته متدنية، أنا أرجو من الآباء والأمهات أن يدركوا أن الوقت ليس مفتوحا أمامهم، وأن الفرصة محدودة، فإذا فاتت تعذر استدراكها.
2. لممارسة القراءة في وقت مبكر علاقة كبيرة بالتفوق الدراسي في المراحل المختلفة؛ وذلك لأن النبوغ والإبداع والتفوق الواضح جدا على الأقران، لا يتم من خلال الاقتصار على دراسة المناهج المدرسية، بل لا بد لمن يريد ذلك من أن يكون لديه نوع من الوَلَه والشغف بالقراءة واصطحاب الكتاب حتى يقرا في اليوم ساعات طويلة، بل حتى يكون البحث والاطلاع مجدا ومفيدا، وقد دل عدد من الدراسات على أن مهارات القراءة التي يكتسبها الطفل في الصف الأول الابتدائي، هي نفس المهارات التي يعود إليها ارتفاع درجات الطالب في الثالث الثانوي؛ ولهذا فإن من مهام الآباء والأمهات أن يجعلوا الهدف الجوهري من وراء تعليم الأطفال هو تحبيب الكتاب إليهم وجعلهم يقرؤون يوما كما يمارسون الأكل والشرب واللعب؛ وذلك لأن الأطفال الذين لا ينجذبون إلى القراءة كثيرا ما تكون درجاتهم ضعيفة حتى لو درسوا في أفضل المدارس، وهذا يعود إلى أن الطفل حين يفقد الانجذاب إلى الكتاب، فإنه سيبذل الحد الأدنى من الجهد، وسيجد متعته في اللهو واللعب، وهذا هو الحاصل لدى معظم الأطفال مع الأسف الشديد.
3. حب القراءة يفتح أمام الطفل بابا واسعا للرقي الروحي والعقلي، كما أنه يوسع في مداركه ويحسن قدرته على التخيل، ولعلي أوضح هذا عبر المفردات الآتية:
حين يصبح لدى الطفل نوع من الإدمان على القراءة، فإنها تصبح في حياته من متع الحياة الرئيسية، وقد رأيت طفلا في الحادية عشرة وقد غرق في قراءة قصص الصحابة -رضوان الله عليهم- إلى درجة أنه لا يترك القصة التي بين يديه مع تكرار دعوة والدته له للقيام إلى الطعام، وفي بعض الأحيان تصبح الغرفة التي يقرأ فيها مظلمة، ولا يقوم إلى إضاءة المصباح من شدة تعلقه بالكتاب، وأصبح الطفل كهلا، وهو بعد اليوم واحدا من أشهر عشرة أشخاص في تخصصه على مستوى العالم.
الأطفال يشعرون بالكثير من الإثارة حين يقرؤون بعض القصص الفكاهية وبعض قصص الرعب، ويشعرون بالكثير من السمو حين يقرؤون في سير بعض العظماء، ولطالما سمعنا من الأطفال من يقول: سأكون مثل فلان، وذلك حين يُعجب بأخلاقه ومواقفه من خلال ما سمع أو قرأ عنه، إن من فضائل القراءة أنها تبعث في نفوس الأطفال الطموحات العالية، وتجعلهم يحلمون بالأحلام الكبيرة، وإن كل العظماء بدؤوا بالسير في طريق العظمة من خلال أحلامهم وتطلعاتهم وأمنياتهم.
تلعب القراءة دور المنقذ للأطفال الذين يعيشون في بيئات جاهلة أو فقيرة فقرا مدقعا؛ حيث إن البيئة المحطمة تقتل طموحات الصغار، وتجعلهم يرضون بأي شيء، وهنا يأتي دور القراءة لتخرج الطفل من فضائه الضيق المحدود ومن زمانه الصعب إلى فضاء واسع جدا وزمان ممتد بامتداد التاريخ؛ ولهذا فإن القراءة بالنسبة إلى بعض الأطفال هي حياة تساوي الحياة نفسها، وإن أبناء الأسر الأمية والفقيرة يحتاجون إلى القراءة أكثر من غيرهم حتى لا يقعوا ضحية لليأس والقنوط وضيق الأفق، ونحن نعرف أن مقاييس الذكاء أخفقت في قياس القدرات الذهنية للأطفال معزولة عن الحصيلة الثقافية لديهم، ومن هنا فإنك تلاحظ أن الأطفال الذين يقرؤون كثيرا يثقون بأنفسهم ثقة عالية، ويتصرفون على أنهم أذكى من أقرانهم وأفضل خبرة.
أحد الأطفال الذين لم يبلغوا الخامسة بعد ظفر بعناية خاصة من والدته، وهو إلى جانب ذلك يدرس في روضة جيدة، وهذا ما جعله يشعر بنوع من الاعتزاز بذاته، كما جعله يتصرف وكأنه شخصية مستقلة تمام الاستقلال مع براعة في استخدام اللغة.
أطفالنا في أمس الحاجة إلى أن يقرؤوا القصص، ويسمعوا الحكايات التي تهذب نفوسهم، وتسمو بعواطفهم ومشاعرهم؛ فنحن في زمان حل فيه الشعور بالتفوق محل الشعور بالرحمة، وحلت فيه الأنانية محل الشعور بالتعاطف مع الأخرين ومساندتهم في أوقات الشدة.
وقد ذكرت إحدى الأمهات أنها لاحظت أن ابنتها البالغة من العمر عشر سنوات تود أن تستحوذ على كل شيء، وهي قد تكذب لتستولي على أشياء ليست لها، كما لاحظت تلك الأم أن ابنها البالغ من العمر سبع سنوات يدوس أي نملة أو حشرة تتحرك أمامه بعنف وقسوة، وكان له ثأرا عند المخلوقات الضعيفة، فما كان من الأم إلا أن ذهبت إلى المكتبة وأحضرت عددا من القصص التي تتحدث عن الكرم والمعاونة وعن الرفق بالحيوان، تقول الأم: إن القصة التي تركت أعظم الأثر في نفوس الأطفال قصة (القطة العمياء) وهي قصة تتحدث عن قطة فقدت بصرها وهي حامل، وحين وضعت صغارها كانت المشكلة التي تواجهها هي كيفية رعايتهم والطمأنينة أنهم ما زالوا قريبين منها، تقول الأم: سردت هذه القصة على أطفالي أكثر من عشر مرات، وفي كل مرة كان يبكي بعضهم تأثرا بما يسمعون، وأحدهم قال في أحد الأيام ببراءة تامة: أمي لماذا لا نأتي بتلك القطة إلى بيتنا حتى نساعدها على تربية صغارها ؟!
يكفي تعلق الطفل بالكتاب فضلا أنه يملأ وقته، ويصرفه عن الجلوس أمام التلفاز والانهماك في ألعاب الكمبيوتر، والحقيقة أن كثيرا من الأهل يشعرون أن التلفاز يساعدهم على شغل أطفالهم عنهم وعن ممارسة الأذى ضد بعضهم، كما يساعدهم على أن يكونوا هادئين ومنضبطين، وهذا تصور خاطئ للأمور؛ إن التلفاز أداة للتسلية، لكنه قد يبث الكثير من الأفكار والمفاهيم السيئة في عقول الأطفال؛ ولهذا فإنه لا بد من أن نحدد مدة زمنية لجلوس الطفل أمامه، وكلما كبر سن الطفل كان علينا أن نجعل مدة جلوسه أمام التلفاز أقصر.
أحد الآباء قال: وجدت أن ابني وابنتي -واللذان يدرسان في المرحلة الابتدائية- قد تعلقا بالتلفاز تعلقا شديدا، فما كان مني إلا أن أغلقته مدة أسبوعين، فانصرفا إلى الرسم والقراءة واللعب بألعاب الذكاء، وحين أتحت لهما النظر إلى التلفاز بعد ذلك خف حبهما لمشاهدته، وصار لهما نوع من الشغف بالمطالعة، وهذا ما ينبغي أن يفعله كل واحد منا.
إن فوائد حب الأطفال للقراءة أكثر من أن تحصى، والأمل معقود على تشكل اهتمام قوي ومبادرات كبرى بهذا الأمر؛ حيث قد فاتنا الكثير من الخير ولم يبق لدينا وقت إضافي كي نضعه، وأود أن أختم كل هذا بقول أحد الأئمة: "حب القراءة من النعيم المعجل للمؤمن في الدنيا".
المصدر: كتاب: طفل يقرأ، د. عبد الكريم بكار، صفحة 7-14.
شاركنا بتعليقك