إسهامات

... ومن الأعياد التي تحظى بمكانة ممتازة مولد خير البشر محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، ويمتاز منذ الليلة الأولى من شهر ربيع الأول بإحياء لياليه في الدور الخاصة بتلحين البردة والهمزية والكثير من القصائد والأناشيد التي يتبارز فيها الفنانون الشباب، وإحياء هذه الليالي في دور العلم وفي المدارس هو تمهيد لليلة المولد التي تبيت فيها الحلق في كل المساجد تُنشد، وتلقى فيها الدروس، وتمتد أغلب السهرات إلى السَّحر، فإذا قرب الفجر انعقد مجلس التلاوة القرآن حتى طلوع الفجر، وإن كان معظم الحاضرين يخرجون بعد منتصف الليل.

وعند المغرب من ليلة المولد يذهب الأولاد زرافات ووحدانا يحملون أوقاد الزيت إلى المساجد فهناك أوقاف كثيرة معلقة في الدُّور بأن يؤدي لترا من الزيت ليلة المولد، وهناك من يتبرع على حسب عدد أولاده فيعمر مقدار قنديل لكل واحد، ويجمع ذلك الزيت في إناء يبعث به إلى المسجد مع الأول، وقد كان هذا الزيت منذ القديم يجعل للاستصباح، ولكنه الآن يباع ويصرف ثمنه في تسديد قيمة الكهرباء، ولكن من العادة أن يأخذ الأولاد معهم قنديلا مضيئا إذا ما ذهبوا للمسجد بعد المغرب، وتوقد الشموع في كل مكان وفي الشوارع والناس يصرِّون على إيقاد الشموع ولو في عصر الكهرباء.

ويحتفل الناس بغذاء يوم المولد ويعطرون الدار بالبخور، وتزغرد أم العائلة بعد الغداء وتعلن أن نبينا محمد قد ولد هذا اليوم فاسمعوا يا ملائكة الدار أو اسمعي أيتها الدار، وقد كان عيدا يمتاز بإكرام الیتامی وبتزيينهم باللباس الجديد، ولكن هذه العادة الآن أصبحت تعم جميع الأولاد.

وقد كان إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية تلاميذ المحاضر يتجولون في البلدة يتتبعون الدور واحدة بعد أخرى ينشدون نشيدا باللغة الدارجة، وكل ما من يجمعونه يأتون به إلى المحضرة ليوزع على جميع الأولاد، فالزرع يصنع خبزا والدراهم تشتري خبزا من الحانوت، أما الشعير فيخلط بالبر ويصنع طعاما، أما البيض فيقسم على المعلمين، وقد تعطي لهم بعض العائلات نصبا يقطعون منه الأقلام، وهذه العادة كانت تتكرر في عيد الأضحى كذلك، ولكن نشيدها بربري، وهذه الجولات تُشيع المرح والفرح في تلاميذ المحاضر ويستمر الخبز يوزع عليهم أكثر من شهرين، وإن كانت العادة اليوم ألغيت تماما، ولكننا ذكرناها لما لها من علاقة بموضوعنا، ونحن ملتزمون أن لا نُفلت الجزيئات.

ومن العادة كذلك أن تتلقى العروس التي بدار والديها أضحية في سنتها الأولى، وكذا تتلقى في عيد الميلاد هدية من الحلوى والكاوكاو والزلابية والشمع وتسمى باللغة البربرية "أَلَّاوْ نْ لْمُولُودْ"، ويحتفل السكان هنا باليوم السابع للمولد بإحياء لياليه بالأناشيد الدينية، وهناك في بعض القرى لا تبدأ الليالي الخاصة إلا بعد عيد الميلاد وتستمر إلى السابع، وهناك من تُحي كل ليلة من ليالي الشهر إلى نهايته ولكن في المسجد، كما أن دروس الوعظ تتركز في سيرة الرسول وشمائله، وهذا قليل في حقه ﷺ.

وقد ابتكر الناس بدعة بعد وجود السيارات وهي زيارة جميع المساجد في هذه الليلة الغراء، فيطوفون على جميع المساجد ويسمعون في كل مسجد نشیدا أو يتبعونها حتى قرب الفجر، وإن كانت البدعة ربما قد تجاوزت حدودها فهي تُكوِّن تشويشات في المسجد بالدخول والخروج والترحيب والاستقبال، علاوة على ما يحدثه توزيع الحلوى والشاي من الحركة.

ويؤذن للصبيان غير البالغين خاصة في هذه الليلة بدخول المسجد ويفرش لهم بساط خاص بهم فوق حصير الصلاة حفظا للحصير.

وكل القرى تحتفل بعيد الميلاد ولكن أروع قرية تحتفل به هي مدينة يسجن، فإن أهلها يعتنون بهذا العيد أكثر من القرى الأخرى، فهم مثلا قد لا يحضرون عيد الفطر أو لا يتنقلون من الخارج من أجل العيد ولكنهم ينتقلون من أجل عيد الميلاد ولاسيما مظاهرة "البشير" كما يسمونها، فكل أب عائلة يصحب معه أولاده إلى المسجد وبعضهم يحمل القناديل والشموع فيذهبون إلى المسجد قُبیل المغرب ثم يعودون ويطوفون الشوارع قبل أن يعودوا إلى ديارهم وهم في كل تحركاتهم ينشدون "البشير محمد المصطفى".

المصدر: كتاب رسالة في بعض أعراف وعادات واد مزاب. الحاج أيوب إبراهيم بن يحي ص139 – 142.

شاركنا بتعليقك