إسهامات

هو أبو عبد الله محمد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطائي النفوسي، ولد بمدينة فرسطاء بجبل نفوسة، شرقي مدينة "كَبَاو"، من مديرية الحرابة التابعة للالوت، ولم تحدد كتب السير تاريخ ميلاده، فجعله الشيخ الجعبيري في الربع الأخير من القرن الرابع الهجري، أي ما بين 375 و400هـ، وقد ذهب كل من الشيخ سالم بن يعقوب والشيخ علي يحيى معمر إلى تحديد تاريخ ميلاده بسنة 345هـ، وهذا ما رجحه أصحاب معجم أعلام الإباضية.

ويعد الشيخ أبا بكر أحد أقطاب الإباضية في المغرب، ومن أبرز المصلحين الدينيين والاجتماعيين، وهو مؤسس حلقة العزابة المشهورة، وصفه الدرجيني بقوله: "هو الطود الذي تضاءلت دونه الأطواد، والبحر الذي لا تقاس به الثماد".

وقد أخذ مبادئ العلوم في مسقط رأسه فرسطاء، ثم تنقل بين عدة مدن للاستزادة من الفنون على يد أكابر العلماء في زمانه كالقيروان، وجربة، والحامة؛ ففي القيروان أخذ علوم اللغة العربية وعلوم الآلة، وفي جربة أخذ علوم الشريعة عند الشيخ أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور بالجامع الكبير، وفي الحامة أخذ العلم عن شيخه الشيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل، فكان من تلاميذه المتقدمين كما يذكر الوسياني في سيره.

سافر بعدها إلى قصطيلية بحثا عن الشيخ أبي عمران موسى بن زكرياء، ليأخذ عنه الفقه والفروع، إلا أن وفدا من جربة اضطروه إلى التحول من مرحلة التعلم إلى مرحلة التعليم وتأسيس حلقة العزابة.

وقد اعتمد أبو عبد الله على نفسه في توفير مصدر قوته، فلم يشغله العمل العلمي والاجتماعي عن السعي لكسب الرزق بكد يمينه، فقد اتخذ لنفسه غنما وماشية يتنقل بها بين عدة مناطق، متتبعا مصادر الكلأ، مثل نفوسة، ووادي سوف، ووادي أريغ، ووادي ميزاب؛ كما كان يملك ضيعات كثيرة.

كان للشيخ أبي عبدالله الفضل في تأسيس نظام العزابة، فقد كانت المبادرة لوفد من طلبة جربة التقوا بالشيخ أبي عبدالله وهو في طريقه إلى قصطيلية، وبلغوه وصية شيخهم وشيخه - من قبل - أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور بأن يطلبوا منه تأسيس حلقة للعلم، فأبى أول الأمر، وبعد إصرارهم وإلحاحهم الشديد اضطر إلى الموافقة، فاشترط عليهم مهلة أربعة أشهر ليرتب فيها نظاما محكما ودقيقا للحلقة، فوافقوا؛ وقد ساعده في التنظير والتخطيط لهذا النظام شيخه فصيل بن أبي مسور، ولذلك عرف هذا النظام بـ "السيرة المسورية البكرية".

ثم شرع في تطبيق مبادئ هذا النظام في أول حلقة له بغار في "تين يسلي"، وهي "بلدة اَعْمَر" بالقرب من مدينة تقرت جنوب شرق الجزائر حاليا، وذلك في سنة 409ه.

والشيخ أبو عبدالله لم يحصر هدفه في مجرد التعليم الديني النظري فحسب، وإنما سعى إلى غرس مبادئ الإسلام في طلبته، على أنه منهج حياة، لا فصل فيه بين العلم والعمل، ولا بين النص والواقع؛ ولذلك كان الشيخ كثير السفر بطلابه في المغرب الإسلامي من نفوسة شرقا إلى وادي مزاب غربا، يتعلمون ويعلمون الناس أمر دينهم، وقد استقر بالحلقة في عدة مناطق منها: تين يسلي، وقصطالية، وطرابلس، وجربة، ووارجلان، وغيرها؛ ولهذا عرف عند العامة بـ " سيدي محمد السايح ".

وقد ضبط قوانين وأنظمة صارمة لتسيير الحلقة، فقسم العُزَّاب إلى ثلاثة مجموعات هي بمثابة المراحل التربوية المعروفة في عصرنا:

1-  الأصاغر = المرحلة الابتدائية .

2-  الأواسط = المرحلة الثانوية .

3-  الأكابر = المرحلة الجامعية .

وقد نظم الشيخ أبو عبدالله مجلسا للنساء، يتعلمن منه، ومن العالمات اللائي تخرجن على يديه أم البخت وأختها.

ولم يكتف الشيخ بالجانب العلمي، فقد كان بمثابة الإمام في جميع الأمور والأحكام، وفي أخص الأحوال الشخصية والعائلية والاجتماعية، فعلم تلاميذه الاعتناء بشؤون المجتمع، وتبعوه في سيرته، وورثوا مبادئ هذا النظام المحكم وورثوه للأجيال من بعدهم؛ ولا يزال هذا النظام قائما إلى اليوم في قرى وادي مزاب ووارجلان، يدير شؤون المجتمع الدينية، والأخلاقية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية ...

وقد اتبع الشيخ أسلوب الأسفار والتنقلات، التي يتعرض فيها الطلبة للشدائد والمحن، ويبلون البلاء الحسن، كما كان يعتمد على أسلوب فريد للإقناع والحجة بالاستعانة بالأمثال الواقعية للإفهام والتغيير، وقد حفظت كتب السير كثيرا منها.

وقد قدم الشيخ – رحمه الله – الكثير من المنجزات خلال حياته منها: بناؤه لمسجد فرسطاء، ولا تزال آثاره باقية للعيان، ومنها إسكاته لفتنة الفرقة السكاكية، التي سعى لإشعالها أباد الله السكاك، ومنها إصلاحه لقبيلة بني ورزمان، ومنها إقناع سكان بلدة "أغرم نتلزضيت" بالمذهب الإباضي، وقد كانوا قبل ذلك على مذهب المعتزلة.

وقد تتلمذ على يده الكثير من طلاب العلم يعدون بالمئات، ومن بلدان شتى، منهم: زكرياء ويونس ابنا أبي زكرياء، ومنهم ابنه أبو العباس أحمد، وأبو بكر بن يحيى، ويعقوب بن يعدل، ومصالة بن يحيى، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي وغيرهم.

وقد ذكرت المصادر وجود تآليف للشيخ أبي عبدالله محمد بن بكر، إلا أنهم لم يذكروا عنوانا واحدا من كتبه، والناظر في التراث الإباضي من كتب السير والفقه والعقيدة، يجدها تعج بآرائه وحكمه، وقد ذهب أصحاب معجم أعلام الإباضية إلى أن الشيخ أبا عبدالله لم يؤلف كتبا لقصد التأليف، وإنما جمع له تلامذته فتاويه وحكمه وأخذها عنهم المؤلفون لتعرف فيما بعد بتآليف أبي عبدالله، ويعد كتاب "التحف المخزونة" لتلميذه سليمان بن يخلف أشمل كتاب يجمع آراء الشيخ أبي عبدالله وعلمه، وهو لا يزال مخطوطا في جزأين.

وقد أطنبت المصادر في ذكر صفاته الخلقية، وشهد له بعض معاصريه بالعلم والورع والشجاعة وغيرها من الصفات الحميدة، فمن ذلك ما قاله عنه محمد بن أبي صالح النفوسي: "فيه خمس خصال قليلة في غيره من أهل العصر: عالم، ورع، عابد، سخي، شجاع، من ذروة نفوسة".

وقد أجمعت المصادر على أن وفاته كانت في سنة 440هـ، وقبره يوجد في مقبرة أمام غار بآجلو، وقد ذكر أبا زكرياء أن أبا الخطاب عبد السلام نزل أريغ في سنة 441هـ، فوجد أبا عبد الله يحتضر، وقد ذهب أصحاب المعجم بأن انفراد الشيخ أبا زكرياء بهذه المعلومة رغم قدمه، يجعلهم يرجحون كون التاريخ تصحيفا من بعض النساخ.

هذه هي مدرسة الشيخ أبي عبدالله محمد بن بكر –رحمه الله– التي خرجت أفذاذ العلماء، ولا يزال هذا النظام البديع معمولا به في أوساط إباضية المغرب بوادي مزاب، وقد ساهم مساهمة فاعلة في المحافظة على المذهب الإباضي من الاندثار والاضمحلال أمام الهجمات التي تعرض لها على مر التاريخ، ويذكر أصحاب المعجم أنه لازالت جوانب عديدة من موضوع نظام العزابة تحتاج إلى المزيد من الدراسات المتخصصة، خاصة من المنظور التربوي، والفكري، والاجتماعي، والحضاري ...

-بتصرف-

المصدر: موقع أشعة من الفكر الإباضي

شاركنا بتعليقك