عدالة الإنسان مع نفسه تأتي في المرتبة الثانية بعد عدالته مع ربه سبحانه، والعدالة مع النفس حمايتها دنيا وآخرة من الهلاك، قال سبحانه وهو يطلب من المؤمنين أن يعدلوا مع أنفسهم: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ البقرة: 195، وقال: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ النساء: 29، فهذا عدل مع النفس.
ومن عدل الله سبحانه الذي فرضه على الإنسان (على نفسه) تحريم الخبائث عليه: ﴿ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ ﴾ الأعراف: 157، وإباحة الطيبات وإعطاء النفس حقها منها قال ﷺ: " إن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً "، رواه البخاري ومسلم.
فلا عدل مع النفس في غير ما جاء به الإسلام، ولذلك لما ظلم الناس أنفسهم إما بارتكاب الحرام أو عدم الالتزام بهدي الإسلام في السلوك والتصور والاعتقاد خرجت البشرية بمعنيين متضادين:
الأوّل: المادية الجافة التي تسعى وراء الجسد وراحته وشهوته، فقيام الحضارات والاختراعات وسائر التقنيات اليوم كلها لخدمة الجسد فقط.
الثاني: الرهبنة التي أهملت الجسد ودعت إلى أن يكون اهتمام الإنسان بجانب الروح فقط.
والإسلام عدل بين هذا وذاك؛ لأنه في الحقيقة ينظر إلى الإنسان على أنه مخلوق من جسد وروح؛ الروح من الملكوت الأعلى ﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ﴾ السجدة: 9، ولذلك لا يمكن أن ترتفع وتنمو إلا بشيء من أعلى وهو الوحي.
والجسد مخلوق من الطين في أصله، فلا يقوم نموه إلا على هذه الأمور التي هي من الأرض، وحينما يوجد انفصام بين هذين الأمرين فإنه إما أن يهتم الإنسان بالجسد ويصير مادياً بحتا، وإما أن يهتم بالروح وحدها ويكون من الرهبان الذين مقت الله صنيعهم وجعل حياتهم حياة مبتدعة.
ومما يدلك على عدالة الإسلام مع النفس البشرية أن الله تعالى قدم مصلحة الجسد على ركن من أركان الإسلام، فإن الله أباح الفطر للمسافر حتى لا تجتمع عليه مشقة الصوم ومشقة السفر، وقال ﷺ: " ليس من البر الصيام في السفر "، ونهى النبي ﷺ عن قيام الليل كله، بل أمر أصحابه أن يقوموا شيئاً ويدعوا شيئاً، ونهاهم عن التبتل وعن اطراد الصيام، بل بين أن للجسد حق وللنفس حق.
-بتصرف-
المصدر: نيو مسلم
شاركنا بتعليقك