من الآداب العظيمة التي حث عليها الإسلام ورغب فيها: آداب الطريق. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: "إياكم والجلوس على الطرقات"، فقالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: "فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حَقَّهَا"، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: "غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ".
فذكر النبي ﷺ في هذا الحديث جملة من الآداب، التي ينبغي أن يتحلَّى بها من جلس في الطريق، فمن تلك الآداب: غض البصر، وقد أمر الله به في قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ النور: 30، وقال رسول الله ﷺ: "يَا عَلِيُّ لا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ".
قال الشاعر:
كُلُّ الحَوَادِثِ مَبْدَاهَا مِنَ النَّظَرِ وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ
والمَرْءُ مَا دَامَ ذَا عَيْنٍ يُقَلِّبُهَا فِي أَعْيُنِ الغِيدِ مَوقُوفٌ عَلَى الخَطَرِ
كَمْ نَظْرَةٍ فَتَكَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا فَتكَ السِّهَامِ بِلَا قَوسٍ ولَا وَتَرِ
يَسُرُّ نَاظِرَهُ مَا ضَرَّ خَاطِرَهُ لَا مَرحَبًا بِسُرُورٍ عَادَ بِالضَّرَرِ
وقال آخر:
وَكُنْتَ مَتَى أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِدًا لِقَلْبِكَ يومًا أَتعَبَتْكَ المَنَاظِرُ
رَأَيْتَ الَّذِي لَا كُلَّهُ أَنْتَ قَادِرٌ عَلَيهِ وَلَا عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَابِرُ
ومن الآداب كذلك: كف الأذى وإزالته من الطريق، ذكر في سيرة النبي، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق، وجد غصن شوك على الطريق، فأخذه فشكر الله له، فغفر له" وفي رواية لمسلم: "لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ".
وروى مسلم عن أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: قُلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، عَلِّمْنِي شَيئًا أَنتَفِعُ بِهِ؟ قَالَ: "اعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ".
وإماطة الأذى عن الطريق من الإيمان. روى البخاري عن أبي هريرة قال: أن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
ومن كف الأذى عدم قضاء الحاجة في طريق الناس، أو ظلهم، وعدم إيذاء الناس في أبدانهم أو أعراضهم، عن النبي ﷺ أنه قال: "اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ"، قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ" وماذا عنك؟
وفي حديث لعبدالله بن عمرو: أن النبي ﷺ قال: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ".
ومن آداب الطريق إعانة الرجل في حمله على مركوبه، أو رفع متاعه عليها، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: "كل سلامى عليه صدقة كل يوم، يعين الرجل في دابته، يحامله عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة".
ومنها أيضا ردّ السلام، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ النساء: 86.
ومن الآداب حسن الكلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ آل عمران: 110، وإنما صارت أمة محمد ﷺ خير أمة، لأن المسلمين منهم أكثر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى.
وأخبر سبحانه أن الناجين من الأمم هم الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ هود: 117، وهذا واجب كل مسلم قادر وهو فرض الكفاية، ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره.
ومن الآداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن يحث الانسان أخاه على صلاة الجماعة، أو ينصحه أن لا يدخن، أو يتجنب السمع الحرام "الغناء"، وتبرج النساء في الأسواق، والطرق واختلاطهن بالرجال، فالمنكرات إذا كثر إنكارها زالت أو تلاشت، وإن سكت عنها فشت وانتشرت، وبهذا امتازت أمة محمد ﷺ وفضلت على سائر الأمم، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ آل عمران: 110.
فهذه من الحقوق التي ينبغي للمسلم إذا جلس في طريق أو مرَّ بقوم أن يؤديها، ومنها ما هو واجب، والله نسأل أن يوفقنا لطاعته وأن يجنبنا معصيته.
-بتصرف-
المصدر: موقع شبكة الألوكة
شاركنا بتعليقك