إسهامات

هل تخيلت طائرة في السماء وفكرت من أين هي قادمة وإلى أين وجهتها ومن هو قائدها، وابتدأت تقارن مسيرة الإنسان في الحياة كرحلة طائرة تبدأ من محطة الاقلاع ثم زمن الرحلة وفي النهاية محطة الهبوط، وكذلك هي حياة الإنسان تبدأ بالمهد وتنتهي باللحد وتستغرق الحياة زمن معين وهو العمر وما خلق الإنسان في هذه الدنيا إلا لغاية، ولكن بعض الناس يحقق نجاحات والبعض الآخر لا يحقق نجاحات وتختلف درجات النجاحات من شخص لآخر ولو تخيل الإنسان نفسه هو قائد رحلته وعليه المسؤولية في تحديد رسالته في الحياة فمن ليس له رسالة في الحياة ليس له هدف، ومن ليس له هدف لن يصل إلى شيء، وهناك وسيلة غاية في النجاح لمعرفة الإنسان نفسه تتمثل في النظر في الآفاق ومن حوله، فمن يريد التعرف إلى نفسه وكشف أسرارها فما عليه إلا أن يلقي نظرة إلى ما حوله من نماذج الحياة ونموذج الطائرة السالف الذكر يقودنا إلى معرفة أنفسنا وما هي رسالتنا في الحياة وكيف يمكن الاستفادة من زمن الحياة التي وهبه الله لنا متمثلاً في العمر ولكي نصل إلى أهدافنا يجب أن نحددها، فهناك منطلقات ثلاثة لقيادة الحياة وهي الوقت والانتاج والمشاعر.

ودعونا في هذا المقال نطلق لمخيلتنا العنان لرحلة نموذجية لحياة إنسان حقق نجاحات في هذا العمر، فلابد أن تحدد أهدافك وتحدد أولوياتك، وتحديد الأهداف برسم خارطة ذهنية لها في مخيلتك وتمحصها كلما أمكن ذلك، ثم أكتبها واجعلها مرافقة لك لتعمل على تنفيذها وتقارن بين التخطيط والتنفيذ وتعالج الانحرافات حتى يكون ما تم تنفيذه مطابقا لما تم التخطيط له. وبنظرة عاجلة إلى نماذج الحياة من حولنا نجد أنه يتسم بسنن وأنظمة وقوانين وتحولات ودورات طبيعية، فالإنسان هو المستخلف في هذه الحياة وتنعكس عليه أنظمة الحياة والسنن الالهية، وهو بدوره يعكس ما يخصه من قوانين على الحياة ودوره في الحياة هي رسالته، ولكن تختلف حياة الإنسان المسلم عن غيره من سائر بني البشر في تحديد أهدافه، فلابد للمسلم عند تحديد أهدافه أن لا تتعارض مع الدين والمبادئ التي يؤمن بها وهو ما سار عليه الرسول ﷺ والسلف الصالح. أي أن كل إنسان يريد أن ينجح في قيادته لحياته وهو الوحيد المرخص لقيادة حياته بما يتناغم وينسجم مع من حوله، فقائد الطائرة عندما يقود طائرته يتعامل مع كثير من المتغيرات كالزمن والطقس والضغط الجوي وبرج المطار والرياح وسرعتها والأمطار إن وجدت وغيرها كثير من العوامل. ولكن يتقيد بمسار الرحلة حتى يصل إلى الهدف وهكذا الإنسان يمر بمراحل وأنظمة وقوانين وأشخاص وعوامل عديدة منها الصعب ومنها السهل، وكلما استطاع الإنسان أن يجيد فن التعامل هذا كلما كان أقرب إلى تحقيق هدفه ورسالته في الحياة، وهذه الرسالة هي هدفك في الحياة ولكن هذا الهدف يجب أن يكون بمثابة الميثاق الذي تسترشد به لتقييم قراراتك واختيار تصرفاتك في هذه الحياة. لذا لن تتحقق رسالة بدون الالتزام التام بينك وبين نفسك وبين خالقك وبين المجتمع الذي تعيش فيه، وهنا يجب أن يتعرف الإنسان على نفسه أوّلاً ومن ثم التعرّف على المحيطين به. ولنا في حضارة ثمود التي كان مركزها جنوب الجزيرة العربية حيث كان الخير يعمها من جميع جوانبها وكانت تمتاز بالقوة والمنعة، ثم بفعل دواعي الغرور والطغيان بدأ الانحراف يتسلل إلى جذورها حتى بعث الله إليها رسولا يدعى صالحا ليعالج هذا الانحراف الجذري ويعود بهذه الأمّة إلى جادة الصواب، ولكنهم استحبوا العمى على الهدى، وطلبوا من نبيّهم المعجزات السماوية وبعدما تحقق لهم ذلك إلا أنهم استمروا في طغيانهم حتى حل عليهم العذاب من حيث لا يشعرون، وهذا العقاب وضع الحد الفاصل لوجودهم الطاغي وهذا العقاب هو حكم السنن الإلهية القاضية بتدمير الحضارات والأمم التي لا تنصاع لأوامر السماء، فالقصة ذاتها حدثت وتكررت في التاريخ البشري وعلى صور وأشكال مختلفة آخرها ما حصل في العراق، وهنا نستطيع أن نستنتج أن التاريخ البشري ما هو إلا صفحة من صفحات الحياة البشرية فهي قوانين ثابتة غير قابلة للتغيير تماما كما هو الواقع في حياة سائر المخلوقات حيث تبدأ حياتها في نقطة الصفر وتنتهي في نقطة الصفر أيضا.

إذن؛ فالإنسان كلما زاد تأمله في الحياة الدنيا وفي الطبيعة وفي القوانين والسنن الإلهية كلما اقترب من معرفة نفسه؛ وبالتالي معرفة مستقبله ومصيره؛ ومعرفة الحقائق الكبرى المحتجبة عنه بداعي الغفلة أو التغافل.

والإنسان متمثلا في نفسه هو مظهر من مظاهر عظمة الخالق في تسويتها وخلقتها، فهذه النفس هي التي تقود الإنسان إما إلى الخير وإما إلى الشر وذلك تكريس حقيقة كرامة الإنسان وحريته، وهما العاملان الرئيسيان في أفضلية الإنسان على باقي المخلوقات ولكن قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها فتزكية النفس عدم ترك العنان لها أو تفويضها في قيادة الإنسان وفي التوسع، بل هي حركة دائمة ودؤوبة باتجاه تشذيبها بالتقوى والمعرفة والأخلاق الحميدة، والدس يعني الدفن والانطوائية أي أن الإنسان قد جعل طبيعته وحقيقته في نفسه فتصبح هي المسيطر والقائد له وذلك عبر الكذب والتضليل والخداع والتبرير والأفكار الخاطئة ولعل الدواء الأنجع في هذا الإطار هو التأكيد على إقامة علاقات وطيدة ومباشرة مع الخالق سبحانه وتعالى، فالله هو الذي خلقنا، وهو الذي يهبنا، وهو الذي يحرمنا، وهو الذي يميتنا ويحيينا، وهو الذي يحاسبنا، وهو الذي يعاقبنا، وهو الذي يثيبنا، وهو الذي يغضب علينا، وهو الذي يرحمنا.

ففي الوقت الذي ينبغي فيه للإنسان أن يجعل من نفسه مرآة صافية تعكس له الحقائق والمـثل المحيطة به، نجد أن الغالبية من بني البشر قد دفنوا أنفسهم في أنفسهم حتى أصبحوا يفتقدون مثل هذه المرآة؛ فهم في عمى دائم يعيشون كما تعيش الأنعام، بل هم أضل سبيلاً، إذ هم لا يحسّون بحقيقتهم وبواقعهم وببيئتهم، وهكذا تراهم يصابون بمختلف المحن النفسية والأمراض والعادات السلبية، غير أنهم غافلون عن ذلك، ولا ينتبهوا لكل ذلك إلا في القبر ويوم القيامة حيث الحساب العسير وتجسد الأعمال وحيث يجدوا ما عملوا حاضـرا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وعند ذلك؛ تحل بهم الندامة العظمى والحسرة على ما فرّطوا في الحياة الدنيا.

إذن.. فهناك حقيقتان لابد من الاستفادة منهما:

الحقيقة الأولى: هي أن على الإنسان أن ينظر إلى الطبيعة نظرة تأمل ليعكس خبرته وفهمه ودرسه وعبرته على حياته الشخصية وليعرف الحياة من النظر إلى الطبيعة والدورة الحياتية التي يراها في الربيع والفصول الأخرى، وهذه الدورة يعكسها على حياته كإنسان مفرد في الدنيا وعلى حياة الحضارة.

والحقيقة الثانية: هي أن المطلوب من الإنسان أن يواجه أخطاءه مواجهة صريحة وواضحة، ولا يترك نفسه لشأنها في أي حال من الأحوال لئلا تتوسع باتجاه الفساد والضياع والعقاب.

ومن هنا يتضح لنا أهمية معرفة الإنسان لنفسه لأن الطريقة التي نعيش بها حياتنا هي عملية داخلية وخارجية وهي ما نتأثر به وما نؤثر فيه، وهناك أربعة مراحل لتكوين رسالتنا في الحياة وهي: الأحلام والإنجاز والأسوة والميزات، وعليه يجب أن نحدد أولوياتنا في الحياة وأن لا نجعل الأعمال البالغة الأهمية تحت رحمة الأعمال الأقل أهمية، وكذلك أن نركز على العمل الأكثر أهمية وليس على الأكثر إلحاحاً واستعجالاً ويجب أيضا أن نوجه أنفسنا دائما نحو الأعمال التي تساعد في تحقيق أهدافنا ورسالتنا في الحياة، وهذه لن تحصل إذا لم نعمل خطة ونقوم على تطويرها وتنفيذها وبشكل دائم، وفي هذه الخطة يجب أن نركز على وضع الأعمال الكبيرة قبل الأعمال الصغيرة حتى تكون إنجازاتك الكبيرة والمهمة أوّلاً ومن ثم الصغيرة.

المصدر: منتدى حوارات الفاخرية

شاركنا بتعليقك