لما كان الإسلام آخر الديانات السماوية فقد جاء بنظام متكامل للرعاية الاجتماعية، يقوم على أساس التكافل والتعاون بين الناس في سبيل الخير، وحض الإسلام الناس على البر والرحمة والعدل والإحسان.
العمل الاجتماعي في القرآن والسنة:
يقول الله تعالى محفزا على بذل الخير والإحسان: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وفي آية أخرى يقول: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾.
وفي الحديث الشريف قوله ﷺ "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به". كما حث الإسلام على بذل المعروف، وإصلاح ذات البين، وكفالة اليتيم.. وغيرها من وجوه البر والإحسان، ففي الحديث الشريف: "ألا أخبركم بأفضل درجة من الصيام والصلاة والصدقة إصلاح ذات البين"، وفي الحديث "خير الناس أنفعهم للناس".
وقال الرسول ﷺ "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، وأشار بالوسطى والسبابة. وقال: "بينما رجل يمشي في طريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له"، وفي الحديث: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل والنهار"، وفيه "من أفضل العمل إدخال السرور على المؤمن تقضي عنه دَينًا، تقضي له حاجة، تنفس له كربة".
نماذج في التاريخ الإسلامي للعمل الاجتماعي:
تجلى التطبيق العملي لنصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية في نماذج فذة رائعة من أعمال البر والإحسان والتطوع حفل بها تاريخنا الإسلامي. فقد كانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ضربًا من أسمى ضروب التعاون الإسلامي في ذلك الوقت، كما أن تاريخنا الإسلامي حافل بالمواقف المضيئة التي تجسد أروع حالات البذل والعطاء، فحين ندب المسلمين لقتال الروم ورد عدوانهم، حض أهل الغنى على البذل والتطوع، فإذا هم يتسابقون في ذلك، فقـد جهز عثمان بن عفان – رضي الله عنه- عشرة آلاف مقاتل، أنفق فيها عشرة آلاف دينار غير الإبل والخيل، وجاء أبو بكر الصديق بجميع ماله، وهو أربعة آلاف درهم، وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله، وجاء عبدالرحمن بمائة أوقية من الذهب، وجاء العباس بمال كثير، وبعثت النساء بكل ما لديهن من حلي، حتى فقراء المسلمين تبرعوا بالقليل الذي لديهم، فكانت ملحمة جيش العسرة.
ولم تكن ملحمة جيش العسرة هي الوحيدة في ذلك الوقت، وإنما تكررت في مواقف كثيرة ومنها تبوك، وغزوة الأحزاب، وفي كل الفتوحات الإسلامية أيام الأمويين والعباسيين، وتكررت ضد الصليبيين في الشام ومصر، فقد تسابق أهل التبرع من الرجال والنساء كل يدلو بدلوه بما أوتي من جهد ومال لصالح معارك التحرير ضد قوى البغي والعدوان. وفي العصر الحديث تجلى ذلك في أروع صوره فيما قام به أهل البذل والعطاء تجاه إخوانهم مسلمي البوسنة والهرسك، وقبل ذلك أثناء حرب تحرير الجزائر.
ومن أوجه البذل والإنفاق سقاية الناس وإطعامهم، فقد اشترى عثمان بئرًا في أطراف المدينة وجعلها في سبيل الله، وكان الناس يستعذبون الماء منها. ووقف أبو الدحداح حائطه (أي بستانه) في سبيل الله، وكان النبي ﷺ يأتي إليه ويشرب من ماء كان فيه طيبًا.
ومن الأعمال التطوعية الأخرى التي سادت وانتشرت في العالم الإسلامي، نصرة المظلوم ورد المظالم، مساعدة المحتاجين من الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام والمعوقين. ومنها إماطة الأذى عن الطريق، وحماية الطرق والقرى والبلدان، والإعانة على رفع الحوائج إلى ولاة الأمر والشفاعة فيها. ومنها الاحتساب لحفظ الأسواق والأعمال التجارية ومراقبة المخالفات. ومنها التطوع بمكافحة الأمراض، وتعليم الناس ونشر العلم.
على أن من أهم طرق البر والخير- التي كانت معهودة- في مختلف بقاع العالم الإسلامي، الوقف وما يترتب عليه من أعمال تطوعية جليلة. وشمل الوقف مختلف الأعيان التي يمكن وقفها من الدور والمزارع والآبار والكتب والمكتبات والمساجد والطرق والجسور .. وغيرها.
-بتصرف-
المصدر: بحث حول العمل الاجتماعي التطوعي. عبدالله العلي النعيم.
شاركنا بتعليقك