إسهامات

لقد لاحظ مالك بن نبي أواسط القرن المنصرم أزمة الحضارة الغربية، ووصولها إلى الطريق المسدود، وفقدانها مبررات وجودها، مثلما لاحظ حاجتها إلى الإسلام لتقويم مسارها. غير أنه رأى أن المسلم المعاصر لا يمكنه أن يرفد الحضارة الغربية بشيء.

فالحضاري، والانخراط في دورة حضارية إنسانية جديدة، هو الأجدر بالإسهام في بنائها.

لقد رأى مالك بن نبي أن الإنسان - فرداً كان أو جماعة - إنما ينوس بين ثلاثة عوالم: عالم الأشياء، وعالم الأشخاص، وعالم الأفكار.

عالم الأشياء هو أول ما يلفت نظر الطفل منذ الولادة، فالثدي بالنسبة له ليس أكثر من (شيء) قد تقوم الرضّاعة مقامه، ثم يبدأ بعد ذلك بالتعرف على أمه ومحيطه في عالم الأشخاص، ثم ينتقل إلى التجريد والتحليل والتركيب محلقاً في عالم الأفكار، وحين يجد الإنسان نفسه معزولاً عن العالم في جزيرة نائية، فإن لديه طريقتان لملء فراغه: فإما أن يوجه نظره نحو الأرض حول قدميه، وإما أن يرفع بصره إلى السماء. ففي الطريقة الأولى يملأ الإنسان فراغه بالأشياء يطمح لامتلاكها، وفي الثانية يملأ وحدته بالأفكار متطلعاً إلى السماء باحثاً عن الحقيقة يهفو لمعرفتها..

هكذا تنشأ لدينا طريقتان تعبران عن نوعين من الثقافة؛ ثقافة الأشياء مثلها "دانيال دي فوي" في قصته روبنسون كروزو، وثقافة الأفكار مثلها "عامر بن الطفيل" في قصته حي بن يقظان. وينشأ عنهما نموذجان من الحضارة: نموذج حضارة ذات جذور تقنية تتمحور فيها الأفكار حول الشيء، ونموذج حضارة ذات جذور أخلاقية تتمحور فيها الأشياء حول الفكرة.

ويلاحظ مالك أن الانتقال من مرحلة لأخرى في المجتمع، ليس بالوضوح الذي نراه عند الفرد، ففي نشاط المجتمع المتناغم ثمة تشابك بين العوالم الثلاثة: الأشياء والأشخاص والأفكار.

وإن من سُنَن الله تعالى أن غروب الأفكار إبان أفول الحضارات، يمهد الطريق لبزوغ الأوثان والأصنام والارتكاس في عالم الأشخاص. فحين عاد المجتمع الإسلامي أدراجه إلى عصر ما بعد الحضارة، انكفأ عالم أشخاصه إلى نموذج المقلدين والدجالين والمشعوذين، واستعادت أشياؤه سلطتها على العقول، ولم تعد أشياؤه بسيطة تلبي ضروراته، بقدر ما أصبحت تافهة براقة تبهظ الجيوب حين يتعين شراؤها من الخارج. لقد نذر مالك بن نبي نفسه لدراسة ظاهرة الحضارة، وتداولها بين الأمم، وكشف عن عوامل انبثاقها واكتمالها ثم أفولها لدى كل أمة، ورسم لها خطها البياني الذي ينطلق من الروح، وينضج بالعقل، ثم ينكفئ بالغريزة، وحدد لنا الظواهر التي تطبع سلوك الإنسان والمجتمع في كل مرحلة من مراحل التحضر، بحيث نستطيع تفسير كل ظاهرة أو حدث حين نضعه في سياقه الحضاري، حسب المرحلة التي يمر بها المجتمع؛ مرحلة ما قبل التحضر، أو مرحلة الحضارة، أو مرحلة ما بعد الحضارة.

وخلافاً لمعظم الدارسين الذين لا يرون المجتمعات إلا متحضرة أو غير متحضرة، فإن مالكاً يميز بين مجتمع بدائي بكر يعيش مرحلة ما قبل الحضارة مدخورا بطاقته الكاملة للانخراط فيها عندما تتوفر له شروطها، وبين مجتمع ما بعد الحضارة الذي كان قد حمل أعباءها، ثم خرج منها خائر القوى، محملاً بكل الرواسب والشوائب والمعوقات التي تصحب سقوط الحضارات وأفولها، وهي حال الأمة العربية الإسلامية اليوم.. إنه يرى انخراط إنسان ما قبل الحضارة فيها أيسر بكثير من عودة إنسان ما بعد الحضارة إليها، ويضرب لذلك مثلاً جُزَيْء الماء الذي يقف على عتبة الشلال مستعداً لتوليد الطاقة متى اندفع فيه، فإذا بلغ القاع فقد قدرته على التوليد والعطاء ما لم يخضع لعملية تبخير معقدة؛ تخلصه من شوائبه ورواسبه وترفعه نقياً صافياً إلى السماء، ثم لعملية تقطير تعيده إلى عتبة الشلال على الأرض.

إنه يرى الحضارة حصيلة التفاضل بين الواجبات التي هي عطاء محض والحقوق التي هي أخذ محض، ويضع لذلك معادلة تحدد لنا المرحلة الحضارية للمجتمع. فلا ينهض بالحضارة إلا جيل معطاء؛ يرسم لها خطها البياني الصاعد، الذي يقترب من الشاقولي كلما أربت فيه الواجبات على الحقوق، وتلك هي مرحلة الروح. ثم يستوي خطها البياني على يد جيل يأخذ من الحق بقدر ما يعطي من الواجب فتتعادل كفتا العطاء والأخذ، وتلك هي مرحلة العقل. ثم يأتي من بعد ذلك جيل مسترخٍ يأخذ ولا يعطي، فيهوي هابطاً بها إلى القاع، وتلك هي مرحلة الغريزة.

إنه يرى الحضارة نتاج فكرة جوهرية تزج بالمجتمع في سياق التاريخ.

سألته صبية في أحد مجالسه في دمشق عام (1972م): "ولكن من أين نبدأ"؟ فأجابها بكل حنان الأبوة الفكرية: "يا بنتي!! ابدئي من حيث بدأ الرسول –صلى الله عليه وسلم-؛ بدأ بفكرة ملأت عليه نفسه؛ فعاشها وطبقها، وتحمل من أجلها العذاب، ورفض عروض قريش المغرية قائلاً لعمه: ((والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه))".

دوّن مالك بن نبي فكره تحت عنوان شامل اختاره هو (مشكلات الحضارة): "لم يكتب ما كتب بوصفه أديباً أو شاعراً أو فيلسوفاً، إنما كتب بوصفه صاحب قضية مهموماً بها، أحاطت به، وامتلكت مشاعره، فعاشها وسخر لها حياته، فاستمدت حيويتها من حياته، وعاش هو بها، فإذا هو حاضر بيننا، كلما ألحت علينا مشكلات الحضارة، يصرخ فينا: حيَّ على الفلاح!! حيَّ على النهوض!!"

المصدر: موقع veecos

شاركنا بتعليقك