الإنسان كائن متحرك، من خلال هذه الحركة بدافع حاجته إلى الطعام والشراب، وحاجته إلى الشريك الزوجة، وحاجته إلى التفوق، في أثناء هذه الحركة قد تقع بعض الأخطاء، الإنسان غير معصوم، الإنسان إذا وقع في خطأ قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾ سورة الشورى: 39.
هناك آيات قرآنية تصف المؤمنين، ومن صفات المؤمنين من خلال هذه الآية أن المؤمن غزيز النفس : ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ ﴾ العدوان، الظلم، ﴿ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾.
عزة المؤمن وكرامته ومكانته العلية عند الله لا تسمح له أن يقبل بالذل، ولا أن تهدم حقوقه، فهؤلاء المؤمنون من خصائصهم بل من صفاتهم الإيمانية أنهم إذا أصابهم البغي - العدوان -هم ينتصرون، إلا أن انتصارهم منضبط، ليس انتصاراً انتقامياً، وليس انتصاراً لا يساوي حجم الظلم، يقول: سأكيل له الصاع صاعين، هذا ليس وارداً، الصاع عشرة أصوع، ليس وارداً :﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ ﴾ العدوان ، ﴿ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾.
أما حجم هذا الانتصار : ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ ﴾ سورة الشورى: 40.
أي غلب على ظنه أن عفوه عن أخيه الذي أخطأ معه يصلحه، ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ ﴾.
لكن لو أن شاباً متهوراً في قيادة المركبة، كان يستعلي على الناس بسرعة غير معقولة، فإذا عفونا عنه أغريناه أن يتابع هذه الحماقة، هنا العفو لا يصلحه، يفسده، أما حينما يغلب على ظن المظلوم أنه إذا عفا عن ظالمه أو عمن تجاوز الحد عنه يصلحه فينبغي أن يعفو، وعندئذ : ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ سورة الشورى: 39.
الله عز وجل قال: من يعفُ عن أخيه فالتعويض عندي، التعويض جنة عرضها السموات والأرض.
موطن العفو هو أن نعفو عندما يكون العفو يصلح هذا الإنسان ويقربه من الله؟؟ مثلاً لو أن طفلاً صغيراً قفز أمام سيارة، السائق يمشي بسرعة بطيئة جداً، القانون يجبر السائق أن يدفع مبلغاً كبيراً جداً، حينما يشعر الأب أن الخطأ من ابنه فعفا عن هذا السائق يرتقي عند الله.
الله عز وجل عفو غفور من أسمائه العفو جل جلاله، فإذا كان الله عز وجل يعفو عن عباده ويسامحهم فما أحرى بالإنسان أن يتخلق بأخلاق الله ." تخلقوا بأخلاق الله " بل المؤمن إذا أقبل على الله يشتق كمالاً من كمالات الله، وأحد كمالات الله العفو، لا يمكن لمؤمن بأخلاقه وتعامله اليومي أن يتناقض مع كمالات الله عز وجل، فالذي خلقه يعفو عنه، هو من باب أولى أن يعفو.
الثمرة العملية للعفو والصفح:
المحبة، أنا حينما أعفو عن أخي المؤمن يحبني وأحبه، كأنني قطعت الطريق على الحقد، والحقيقة الحقد يؤلم صاحبه أشدّ الألم، حينما يسود المجتمع البشري حالة سلبية بالغة من آثارها السلبية الحقد.
الحقد هو انحباس المطر، والحاقد عنده آلام متفجرة في ذاته، أما حينما يعفو فينجو من صفة الحقد.
أي العفو يؤدي إلى الحب في الله؟؟، هذا الذي عفوت عنه جعلته يحبك، فإذا أنزلت به أشد العقاب انتقاماً جعلته حاقداً عليك، وينبغي أن تنتظر منه الانتقام أيضاً، فالذي لا يعفو عنده قلق دائم، والذي يعفو يسمو بعفوه عن هذا الشعور النفسي الذي لا يحتمل.
العفو يجعل المجتمع متماسكاً بشرط ألا يتخذ ذريعة لمتابعة الخطأ:
الحقيقة أنه حينما يغلب على ظنك أن عفوك عن هذا الإنسان المخطئ يصلحه كمؤمن ينبغي أن تعفو عنه، أما حينما يغلب على ظنك أن عفوك عنه يدفعه إلى مزيد من الخطأ فيتطاول فلا ينبغي أن تعفو عنه، ورد أن بعض الأسرى شكوا للنبي بناتهم الصغيرات فعفا عنهم وعادوا إلى الحرب ضده مرة ثانية، فلما سألوه أن يعفو عنهم قال: لا، لئلا تقولوا: خدعنا محمداً مرتين.
إذاً العفو يجعل المجتمع متماسكاً بشرط أن يكون هذا العفو لا يستهان به .على ألا يتخذ ذريعة لمتابعة الخطأ.
من لوازم العفو أن تستر:
إن عفوت عن إنسان ارتكب معك خطأ كلما جلست في مكان ذكرت هذا الخطأ، أنت بعفوك كأنك انتقصته، أو كأنك ذكرته بفضيحته، فالله ستير، فمن لوازم العفو أن تستر، وهذه بطولة، المؤمن حينما يطبق منهج الله يسعد بعفوه، أما الإنسان إن ابتعد عن الله وعفا فيرى كأنه فاته حق الانتقام، يذكر الآخرين بعفوه لدرجة أنه يقلب هذا العفو إلى نقيصة.
-بتصرف-
المصدر: موسوعة النابلسي
شاركنا بتعليقك