هناك من يقول: إن بطء القارئ في نقل عينيه من كلمة إلى أخرى، وقلة ما يلتقطه في الوقفة الواحدة، ونكوصه إلى كلمات قرأها سابقا ما هو إلا انعكاس لعجز العقل عن استيعاب معاني الصور التي نقلتها إليه العين، وارتباكه في تفسيرها وتحليلها؛ فسرعة القارئ منوطة -إلى حدٍّ بعيد- بسهولة المادة التي يقرؤها، وبُعد الكاتب عن الإغراب والالتواء في أسلوبه.
لا بد لهذا القول أن يكون صحيحاً؛ إذ لا يمكن لأحد أن يدعي أن بإمكانه أن يقرأ كتاباً في الفلسفة أو النقد الأدبي أو المنطق بالسرعة التي يقرأ بها قصة أو كتاباً في التاريخ، أو خبر في جريدة، إن القراءة بسرعة كبيرة هي إنجاز مشكوك فيه، إنها ذات قيمة إذا كان ما نقرؤه لا يستحق القراءة.
ومع هذا فإن فكرة التدرب على القراءة السريعة، والحثّ على تعلمها، تقوم على افتراض يقول: إن معظم الأفراد يجب أن تكون لديهم قابلية لأن يقرؤوا بأسرع مما هم عليه، وأن بإمكان السواد الأعظم من الناس أن يضاعف سرعة قراءته ضعف أو ضعفين؛ وحين يضع إبهامه معقودة مع السبابة تحت السطر الذي يقرؤه فإنه في هذه الحالة لا يساعد نفسه على سرعة القراءة فحسب، وإنما يحسن تركيزه أيضا على ما يقرأ، فتتبع حركة اليد يحول -غالبا- دون النوم والشرود والاستغراق في أحلام اليقظة؛ مما يعني زيادة فاعلية القراءة، وهي تجعل الفهم في كثير من الأحيان أفضل وأعمق.
وعلى كل حال فإن القارئ الذي يقرأ مادة سبق له الاطلاع عليها في كتب أخرى، يستطيع أن يقرأ تلك المادة بسرعة أعلى بكثير من قارئ لم يخبرها قبل ذلك؛ مما يعني أن استمرار القراءة في محور من محاور المعرفة، سيكون مساعداً أساسياً على قراءة أسرع وإنجاز أعظم.
مما يتصل بسرعة القراءة مسألة القراءة الجهرية والقراءة الصامتة، وفي هذه المسألة يمكن أن نقول: إن القارئ المبتدئ والطفل الصغير ينبغي أن يقرأ في البداية بصوت مرتفع؛ لأن ذلك مما يعين على تقسيم الكلام حسب معناه في أدائنا الصوتي، وفي هذا تعود على لمح المعنى بدقة وسرعة. فإذا ما حدث نوع من التعود على هذا النوع من القراءة بقدرٍ كاف، يُنصح القارئ بالتعود على القراءة المهموسة، ثم القراءة الصامتة؛ لأنها تتيح له سرعة أكبر، حيث إن عين القارئ قراءة جهرية تسبق صوته بما يتراوح بين أربع كلمات وست كلمات، والسرعة تقتضي توجيه الحواس كافة وحصرها لتصبح العلاقة ثنائية بين العين والمخ، أو بين البصر والعقل؛ وذلك لأن القراءة عمل عقلي، يبدأ بالنظر.
المصدر: كتاب القراءة المثمرة، د. عبد الكريم بكار، صفحة 42- 44.
شاركنا بتعليقك