إسهامات

إن معايير الانتقاء تظهر بعد تجارب على مجموعة كبيرة من الأخلاط، إنه إذن إجراء على نقيض ما تقوم به مراكز البحث التي تحدد مسبقا أنماطا وراثية انطلاقا من أهداف محددة مسبقا، ووفق دفتر شروط تبين صفاته معايير غالبا ما تكون تجارية، ثم تقوم هذه المراكز بنقله إلى عنصر ما عبر التأبير القسري، تقتضي هذه المنهجية متابعة السلالة عبر أجيال عديدة للنبتة وعقود عديدة من العمل لضبط صنف والتأكد منه، كما يقتضي الأمر أكثر من تخصص بحثي، فالمسار لطوله لم ينجح فيه الباحثون في إيجاد أصناف تقاوم البيوض (Fusarium)، بينما هو مرض معروف منذ أزيد من قرن.

قد يحل صنف مشكلة ويطرح مشاكل. لهذا كانت بساتين النخيل دوما مركبة من أصناف مختلفة ألوانها ومتكاملة خصائصها لتخفف من نقائص العناصر وتعوضها.

إن أصناف التمر قد انتقيت من أجل استجابة أفضل للحاجات، الغذائية منها على وجه الخصوص، تحت ضغوط بيئية واقتصادية، ومثلما يحدث في أي مكان فإن نبتة لا تثير الاهتمام إلا إذا ناسبت الظروف الطبيعية وكانت لها إنتاجية ملائمة، وإلى جانب المعايير فإن لكل صنف من أصنافنا ميزة أو ميزات عديدة خاصة بالاستعمالات الصحراوية.

1. النضج المبكر:

لقد بحث ساكن الواحة كثيرا عن أقصى مدى يبلغه الصرام حتى يقلل من الاعتماد على المخزون. تبدأ الأصناف المبكرة عندنا النضج في بداية جويلية (تموز)، و إلى بداية أكتوبر (تشرين الأول)، أي خلال أزيد من ثلاثة أشهر، يمكن الاقتيات من تمر مبكر حتى قبل نضج أصناف التخزين، أما آخر جذوع الأصناف المتأخرة (أكربوش، تاودّانت) فستقطع في آخر ديسمبر (كانون الأول). هكذا يمكن فعلا العيش ستة أشهر من السنة باستهلاك تمر يُجنى يوميا دون أن يُمس المخزون الذي ينبغي أن يغطي الأشهر الستة الأخرى على الأقل.

2. القدرة على التخزين:

يعتمد انتقاء الأصناف اعتمادا شديدا على استراتيجية تسيير المخزون الغذائي، فلقد تم البحث عن أصناف ذات قدرات على التخزين لمدة أسابيع وأخرى تستهلك مباشرة بعد الجني، أو تمتد بعده عدة أشهر، وأخرى عليها أن تضمن الدورة الغذائية حتى قدوم غلة السنة اللاحقة. كما انتُقيت أيضا أصناف قابلة للتخزين عدة سنوات لضمان البقاء في حالة غلة كارثية. لقد كانت الواحات في مزاب تعتمد على امتلاء الطبقة الجوفية بسیول احتمالية، وإذا ما غابت الأمطار وانخفضت الطبقة الجوفية فلا بد من إيجاد ما يسد الرمق.

وعليه صنَّف القدماء الأصناف أولا على حسب بكورتها واستعدادها للتخزين، أما التصنيف الحالي إلى تمر ليِّن وشبه ليِّن وجاف فهو ينتمي إلى الاصطلاح التجاري المعاصر. إن مبدأ التخزين يرتكز أساسا على الضغط لإخراج الهواء من بين الثمار، وبين النواة ولب التمرة، دون إطلاق الدبس القابل للاختمار. وهكذا فإن صنفا کإغس اوطشيضن (الغرس) مثلا يملك قدرات رائعة في التخزين على شكل عجينة مكبوسة، ولكنه ليس الوحيد، إذ يمكن كبس "تَمْجُوهَرْت" وأصنافا أخرى لُبِّيَّة.

تسمح القدرة على التخزين بالتمييز بين:

  • تمر يخزَّن مدة طويلة، لعدة سنوات: إغَسْ اوُطْشِيضَن (الغرس).
  • تمر يخزن لمدة متوسطة، قد يصبر حتى الغلة اللاحقة: "ادَّالْتْ" و "تَمْجُوهَرْتْ" و تِفَزْوِینْ" و "تَازَرْزَايْتْ" و "أُوتَقْبَالا".
  • تمر يخزن لمدة قصيرة من شهر إلى ثلاثة أشهر، "بيضْ لَحْمَامْ" و "تَاكَرْمُوسْتْ".
  • وتمر غير قابل للتخزين، ويستهلك طازجا فقط: "شيخْ امْحَمَّدْ" و "العَمَّاري" و "تَازُوڤَّاغْتْ".

3. خصائص غذائية ومذاقية:

بما أن التمر غذاء أساسي، فلا بد أن يضمن الاستجابة للحاجة إلى المواد الغذائية والطاقوية مع ما يجلبه من إحساس بالشبع. إن مفهوم الحاجة متغير، لأن الأطفال أو المسنين أو المرضى أو الذين ينجزون أعمال جهد لا يملكون الحاجة نفسها. والاستجابة للحاجات المتنوعة يكون عبر انتقاء الأصناف.

إننا نقسم تمرنا إلى مجموعتين كبيرتين؛ التمر البارد و التمر الساخن:

  • التمر البارد:

يمكن استهلاك كميات كبيرة منه دون أي انزعاج، ولا ينبغي نسيان أن التمر كان يشكل إلى عهد قریب جوهر التغذية، وقد يستهلك منه الإنسان البالغ كيلوغراما في اليوم، فالتمر البارد الذي تستهلكه كل طبقات المجتمع يضمن إذن "ملء الجوف" ويستجيب للحاجات في الظروف العادية.

  • التمر الساخن:

يستهلك بكميات قليلة، وإلا فإنه يسبب حروقا في المعدة. يسمى ساخنا بسبب الإحساس بالحرارة والوخز الخفيف الذي يتركه في البلعوم، كما يترك للتو إحساسا بالعطش. بعض الناس لا يطيقونه لأنه قد يسبب حساسية كالإسهال والشرى (طفح جلدي). قد تقل سخونته إذا خزن في ظروف جيدة بعد عامين، ثم إنه أسرع في مد الطاقة، ويفضل استهلاكه قبل جهد عضلي أو خلاله.

إن النكهة أيضا تعتبر معيارا هاما وبما أن الأصناف لها تماسك ونكهة يميزانها، فإنا لا نرغب دوما في أكل الشيء نفسه. بعض الأصناف لها ذوق کالكراميل مثل "ليتيم" و "ادالت" و "اوعروس"، والبعض ذو مذاق حامض بعض الشيء، أما "تانصليت" فمذاقها يذكر بالشكولاطة السوداء، و "باباتي" يترك ذوقا مرا بعض الشيء، ... الخ.

4. مقاومة أمطار الخريف:

يخشى الناس أمطار الخريف التي تسقط أثناء فترة النضج، فهي قادرة على إتلاف غلة بأكملها بالتعفن. لهذا لاحظ القدماء بعض الأصناف ذات نوعية متوسطة لا تتأثر بالأمطار العرضية. إن البحث عن أصناف مبكرة تنضج قبل هطول الأمطار يدخل ضمن استراتيجية المنتقين، والأمر يتعلق بالحصول على أصناف تكون قد أتمت دورتها قبل حدوث الأضرار.

5. مقاومة سقوط الثمار والقدرة عليه:

هناك أصناف ذات نضج تدريجي، وأخرى تنضج مرة واحدة. بعض الأصناف غير القادرة على التخزين مثل "تاكرموست" و"تزيزاوت" تفقد تمرها شيئا فشيئا حسب مسار النضج، والتمر الساقط يتعفن بسرعة، ولكن هذه الأصناف قد انتقيت في الحقيقة بسبب هذه الخاصية، فإذا لم تكن هنالك القدرة على تسلق النخلة يكفي بسط قماش أسفل النخلة وجمع التمر المتساقط يوميا، يقال إنه في القديم وقبل أن يُعطي الرجل ابنته للزواج يستعلم أولا إن كان الطالب يملك نخلة "تزيزاوت" في فناءه، إذ أنه إذا غاب الزوج ضمن بقاء العائلة.

6. مقاومة ميكانيكية:

رغم أن جذع النخلة متين طبيعيا فإن مقاومة الرياح تختلف من صنف إلى آخر، وزارعو القطع المعروضة للهواء الطلق يختارون الأصناف ذات الجذع المرن والمتين حيث تشكل سورا لبقية الواحة، ويؤدي هذا الدور أصناف "تازوقاغت" و "إغس اوطتشيدن" (الغرس) و "تفزوین" و "تازرزایت".

7. سهولة العمل:

تعتبر النخلة شجرة تستلزم الكثير من العناية، وكل خاصية نباتية تخفف عمل المزارع فهي مرغوبة. يتم البحث مثلا عن الأصناف التي يسهل العمل فيها، التي يكون تأبيرها بأقل عدد من مرات التسلق، أو التي يكون تذليلها سريعا -أجال-. يفحص المظهر الخارجي للجذع بعناية، وينبغي أن يكون تسلق النخلة سهلا، فالجذع الأملس لا يرغب فيه إلا إذا كان ذاك الصنف يملك خصائص فريدة.

ولدواع تتعلق بسلامة المتسلق تخشى الأصناف ذات السعف الهش الذي لا يقوى على حمل المتسلق، أما طول العرجون فهو ليس معيار أساسي من معايير الانتقاء، إلا أن سكان الواحة يأخذونه في الحسبان عند تركيب الأصناف داخل البساتين، والعذوق ذات العرجون الطويل مثل "دقلت نور" يصعب العمل معها.

تعتبر "ادالت" حقا صديقة زارع النخل إذ أنها أسهل الأصناف تعاملًا.

8. استعمالات مطبخية وطبية:

لا يعلم إن كانت الفائدة المطبخية والطبية قد أسهمت في ترقية الأخلاط إلى مرتبة الأصناف، أو أن الأوصاف قد ضبطت مسبقا على أصناف متفق عليها، غير أنه مؤكد أن الاستعمالات الخاصة بالتحضيرات المختلفة قد أخذت بعين الاعتبار في تركيب الأصناف داخل بساتين النخل.

علاوة على هذا فإن المنقوع الذي يصنع من نصل فسيلة "تامجوهرت" يخفف آلام العادة الشهرية ويعين على تجاوز مرحلة سن اليأس، كما يستعمل عرجون "تامجوهرت" المهروس والمغلي في علاج السعال المستمر.

إن قائمة الوصفات التي يبينها فن الصيدلة التقليدية والمحضرة بأعضاء النخلة والتمر طويلة إلى درجة أنها تستحق مؤلفا كاملا خاصا بها.

9. تثمين المواد الثانوية:

يقول مثل مزابي: "اغرس ادالت تطعمك، وتطعم جملك، ويدفئك خشبها". لا يمكن إهمال الاستعمالات الثانوية للنخلة، ولقد انتقيت أصناف كثيرة الإنتاج رغم أن نوعيتها متوسطة أو ضعيفة، وفي زمن الجدب يستهلك التمر وإلا يصنع منه الخل أو يقدم علفا للحيوان، وفي هذا الصدد يشتهر صنف "تازوقاغت"، إذ يفضل الحيوان نواته الطرية، وخشبه جيد كحطب. كثيرة هي الأخلاط التي وجهت لهذا الاستعمال المزدوج.

قديما كان جذع النخلة كإحدى مواد البناء يدخل ضمن اختيارات المنتقين، فإذا تدهورت إنتاجية النخلة تقطع وتصنع منها هياكل البيوت، كانت المادة الوحيدة المتوفرة وكان من فائدة الشخص أن يمتلك أصنافا كـ"تازرزايت" ذات الجذع الملائم لهذا الغرض.

إنه على عاتقنا، نحن زارعي النخيل، مواصلة مهمة السلف حتى لا يبقى التنوع البيولوجي الخاص بالنخلة راكدًا.

-بتصرف-

المصدر: كتاب نخلة التمر، يوميات يرويها عاذق، ص 96-97.

شاركنا بتعليقك