إسهامات

يلزم أن ندقق في صفات المستشار فلا نستشر كل من هب ودب، بل لا بد أن يتميز المستشار بالصفات التالية: الأمانةالخبرة - الاختصاص.

فالخائن لا يُستشار، والذي يذيع أسرار الآخرين لا يستشار، كما أن عديم الخبرة لا يستشار أيضا، بالإضافة إلى أن نوعية المستشار، اختصاصه، يجب أن تتطابق مع نوعية مادة الشورى، فإذا كنت مريضا وأردت أن تستشير أحدا في الأمر فعليك بالطبيب لتستشيره وليس المهندس، وإذا أردت أن تستصلح أرضك لتزرعها فعليك بالمهندس الزراعي لتستشيره، وليس مهندس السيارات أو الفنان أو الصحفي، وإذا أردت أن تختار أحد من بين عدد من المرشحين في انتخابات ما ليمثلك في البرلمان مثلا أو في مجلس المحافظة فعليك أن تستشير ذوي الخبرة والاختصاص والمعرفة والباع الطويل في علم الرجال وشؤون السياسة، وإذا أردت أن تستشير من يرشدك في اختيار الجامعة أو المادة التي تريد أن تدرسها وتتخصص بها، فعليك بالخبير، وهكذا، فالمشورة يجب أن تكون من المختص فيما تريد الاستشارة عنه، حتى لا تكون الاستشارة عبثية وغير مدروسة، وإلا فستعطي، بكل تأكيد نتائج عكسية، وأحيانا مدمرة.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن علينا أن نحفظ للمستشار خبرته، من خلال تجاربنا الخاصة، إذ كلما جاءت استشارة أحدهم ناجحة وصحيحة يلزمنا أن نضيف على اعتباره عندنا اعتبارا جديدا، ليكون بمرور الزمن مستشارنا المفضل، نعود إليه كلما أردنا مشورة، ولذلك فإن المستشار لا يعين بوقت محدد وإنما يظل هو المستشار لا زالت مشورته صحيحة ونافعة، بغض النظر عن أي شئ.

إن المستشار يجب أن يعين أو يتخذ على أساس الخبرة وليس على أساس الصداقة والمعرفة والقرابة أبدا.

كما أن هناك صفات سيئة إذا كانت في الرجل، أو بعضها، فلا يحسن أن يستشار أبدا، منها مثلا ما ذكرها علي بن أبي طالب – عليه السلام - في إحدى وصاياه لابنه الحسن - عليه السلام -، بقوله: " يا بني، إياك ومصادقة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة البخيل، فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر، فإنه يبيعك بالتافه، وإياك ومصادقة الكذاب، فإنه كالسراب، يقرب إليك البعيد، ويبعد عليك القريب " فإذا صدقت هذه الصفات وأمثالها في امرئ يلزمنا أن لا نستشيره أبدا لأنه يقودنا إلى التهلكة.

هنالك صفات أخرى يجب أن نتجنبها في المستشار، فالماحل والفاجر لا يستشارون، فيما يجب أن يستشار المنصف، وهو صاحب الدين، على اعتبار أن "من لا إنصاف له، لا دين له" كما في القول المأثور.

كذلك، فالمتردد لا يستشار، وكذا الجبان والخائف والحسود وشارد الذهن وضعيف البديهة، لأن كل هؤلاء وأمثالهم لا يشيرون علينا بالخير أبدا.

أن بعض المسؤولين، وللأسف، يختارون لبطانتهم الإمعات والطبالين والمصفقين والمهرجين والمؤيدين الذين لا يعرفون قول (لا) أبدا، فإذا أخطأ قالوا له أحسنت، وإذا أصاب قالوا له أحسنت، إن أمثال هؤلاء يدفعون المسؤول إلى الهاوية دفعا، ولذلك يجب إن يختار المسؤول الأقوياء في قول الصح حتى إذا خالف رأيه، ليتكئ عليهم ويستقوي بهم.

ومن الأمور التي يلزم أن لا نغفل عنها ونحن نبحث عمن نستشيره في أمر ما، هو موضوع العمر، وقديما قيل: " أكبر منك بيوم، أعقل منك بسنة " على اعتبار أن العمر يكسب المرء تجربة اضافية، فيكون الكبير أرجح عقلا من الصغير، وإن كانت هذه ليست بالقاعدة المطلقة، وإنما يجب أن نأخذها بنظر الاعتبار، حتى لا تفوتنا تجربة الشيخ.

وربما لهذا السبب حث الإسلام، من بين أسباب أخرى، على توقير الكبير، وإنزاله المنزلة اللائقة في المجتمع، لأنه محط تجارب الماضي القريب.

كذلك، فإن من صفات المستشار الثقة، أن يكون أمينا على سر من يستشيره، فلا يفرط به، فلقد جاء في الأثر أن " المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ " وأن يسكت فلا يدلي برأي إذا لم يكن متأكدا منه، فالسكوت بعلم أفضل من النطق بجهل، فما الضير في أن يقول المستشار (لا أدري) إذا كان لا يعرف فيما أستشير به أو عنه؟ فاعتراف المرء بجهله في أمر ما يسأل عنه، منقبة يشكر عليها ويحمد.

-بتصرف-

المصدر: موقع سير أون لاين

شاركنا بتعليقك