الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، يجعل المؤمن يشعر بأن الأمر كله لله تعالى، فيُنشئ صلةً وثيقةً بينه وبين ربه، فيعلم أن لله صفات العلم الواسع والإرادة الشاملة والقدرة الكاملة، وأنه سبحانه فعَّال لما يريد، عالم لما يفعل. ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ يونس: 61.
كما أنه يجعل المؤمن يشعر باستقلال إرادته فيما يباشر من أعمال في حدود إمكاناته، وبتيقظ عقله وحركة ميوله ورقابة ضميره.
وأمام هذا الشعور بالحرية، يعرف حجمه أمام عظمة الله تعالى فيدرك أن الله تعالى منحه حرية الإرادة ليتصرف في حدود هذا الكون بما يحقق له ذاته، ويضمن له عزته، فيتحمل مسؤولية الخلافة كاملة.
وإذا علم الإنسان المؤمن أن الله تعالى خلقه ليتصرف في هذا الكون بإرادته في حدود إمكانات هذا المخلوق المحدود، لم يعد له شعور بأن له قوة عظيمة تكبله عن التصرف والحركة، بل ترسخ في ذهنه أن صلة العلم الإلهي بأعماله إنما هي صلة الإحاطة التامة والشمول الكامل.
وهذا الفهم الصحيح ينشأ فيه عدة أمور إيجابية منها:
• مضاء العزيمة: فإذا عزم المؤمن على فعل شيء، هيأ له الأسباب الكفيلة بإنجاحه، وحدد سيره طبقاً للسنن الكونية، ثم بعدها مضى إلى ما عزم عليه من دون تردد ليقينه أنه ما أصابه ما كان ليخطئه، وما أخطأه ما كان ليصيبه والله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ آل عمران: 159.
• التجلد والثبات أمام مهمات الأمور: فالمؤمن الواعي المتبصر بدينه، يتحلى بالصبر والثبات على الدعوة ليبلغ شرع الله إلى الناس الغافلين التائهين، وهو يعلم أن حمل أمر الدعوة رغم صعوبته، لا يقدم أجلاً، ولا يعدم رزقاً. ويتمثل قوله ﷺ: "مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقدمان أجلاً ولا يعدمان رزقاً".
فلا يتشاءم المؤمن من المستقبل ما دام الأمر بيد الله، ولا يخاف من مرض وهو يعلم أن المرض ابتلاء وتمحيص، وتطهير للجسم من الذنوب وتكفير للخطايا.
كما لا يهاب الموت وهو يدرك أنه أجل مقدر لا يقدم ولا يؤخر. وبهذا الشعور تكون شخصيته جادة ثابتة بعيدة عن التذبذب والتردد، قادرة على الصمود أمام المصائب التي قد يتعرض إليها في حياته.
-بتصرف-
المصدر: كتاب العقيدة - القضية الكبرى في حياة البشر لعاشور كسكاس.
شاركنا بتعليقك