قبل الولوج إلى صلب الموضوع أرى أنه من الواجب ضبط بعض المصطلحات وتحديد بعض المفاهيم التي سيدور الحديث عنها ومنها خاصة: "الأدب المزابي"، فالأدب هو معظم ما عرف من الأجناس الشعرية والنثرية، ومزاب هي بلاد الشَّبْكَة الهضبة الصخرية الكلسيّة التي تقع شمال صحراء الجزائر، وتمتاز عن بقية المناطق المجاورة لها بطبيعتها القاسية. وسكانها الأصليون بربر وهم بني مصاب أو مزاب، ولغتهم المزابية، وهم بطن من زناتة كما يرى ابن خلدون وآخرون: "... وقصور مصاب سكانها إلى هذا العهد شعوب بني بادين من بني عبد الواد وبني توجين ومصاب وبني زردال في من انضاف إليهم من شعوب زناتة، وان كانت شهرتها مختصة بمصاب...".
وقد بنو العديد من القرى على ضفاف واديهم، منها ما اندثر ومنها ما لا يزال عامرًا إلى اليوم، أمّا الحاضر منها فقُرى: تَجْنِينْتْ العطف، آتْ بُنُورْ بنورة، آتْ يَسْجَنْ بني يزڤن، تَغَرْدَايْتْ غرداية، آتْ مْلِيشَتْ مليكة، آت إِبَرڤانْ بريان، وتِڤْرارْ الڤرارة، وان كانت بريان والقرارة بعيدتان نسبياً عن وادي مزاب ولكن سكانها يتكلمون المزابية وتربطهم بسكان الوادي أواصر القرابة والمذهب.
واللغة المزابية أصلها زناتية، وهي قريبة جداً من الڤورارية والشَّاوية والشَّلحية والنفوسية، ومن خصائصها الابتداء بالساكن كقولهم: تْمارْتْ للِّحية، وتْفُويْتْ للشمس، ومن خصائصها أيضا اجتماع ساكنين أو أكثر كما في المثالين السابقين، وتاء التأنيث تكون في أول الاسم مثل تَفُونَسْتْ للبقرة، وقد ترد في آخره تْوَارْتْ للبؤة..؛ والمزابية غنية بالتراكيب المتناسقة والمفردات الجزلة والعميقة، وغنية بالأمثال والكنايات التي من شأنها الإيجاز، وما يُغني عن كثرة الكلام، كما أن في المزابية شعر مناسبتي كثير، وهو للرجال والنساء والأطفال.
وقد تأثرت كثيرًا باللغة العربية لغة القرآن الكريم، وقد استطاع المزابيون صياغة الكثير من المفردات العربية على قواعد لغتهم فانسجمت معها بشكل كبير حتى صارت جزءا منها، وقد لا ينتبه إليها إلا من دقق النظر فيها، فكلمات: أَژُمِي، ضْزاَلِّيتْ، أَمْبَارَش... أصولها عربية، وهي تعني على الترتيب: الصوم، الصلاة، المبارك.
شاركنا بتعليقك