.. ومراسيم عيد الفطر تبدأ بأداء زكاة الفطر، فلا يوجد غني أو متوسط إلا ويؤدي زكاة الفطر، وحتى الذين يتلقونها من ذوي الدخل المحدود قد يؤدون زكاتهم لمن دونهم في مستوى العيش، وأغلب الناس يؤدونها في صبيحة عيد الفطر. فترى الأولاد في الصباح الباكر يتسابقون لإيصال هذه المؤونة إلى مختلف دور الفقراء، ومن المعلوم أن الناس لا يعطون صدقاتهم الفقير واحد بل قد يقسمونا لعدد منهم لتعم الفرحة ويشمل الإحسان جميع الدور، ولا يرجع الأولاد الذين يوصلون هذه الزكاة إلى الدور بدون أن يعطوا مكافأتهم أو غيرها مما يدخل السرور، وهناك من يشتري معادل فطرته خبزا يوزع في المسجد بعد صلاة الفجر في الختمة التي تختم بها مجالس التلاوة في ليال رمضان كما سيأتي مفصلا.
وفي الصباح الباكر أي بعد الصلاة مباشرة لا يخرج العزابة من المسجد بل يقرؤون ما تيسر من القرآن ويختمون، أما الناس فيذهبون إلى الخبازين أو إلى دورهم ويأتون بالتمر والخبز، وبعد أن تتم مراسيم الختمة توزع تلك الصدقات على الحاضرين من رجال ونساء ثم ينصرف الجميع على موعد الرجوع بعد ساعة للمسجد، وفي ذلك الصباح الباكر تبادل الهدايا وهي عبارة عن كمية " نَ الرّفِيسْ" وهو شبيه بالثريد المعروف عند العرب، وهذه الهدايا أغلبها من دور العرائس التي تزوجن في بحر تلك السنة إلى الأصهار الجدد، اقتداء بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا"، وكما تُصنع أواني الرّفِيسْ لكل الذين ماتوا في تلك السنة في أول عيد فطر بعد وفاتهم، فتذهب قريبات هذا الميت فيوزعن هذا الرّفِيسْ على كل من يلقينه في طريقهن في المقابر، وتنظم مراقبة حازمة من طرف المسجد في أكثر المقابر لما يكثر فيها من النساء في ذلك الصباح الباكر، وكما يصنع البعض فطورا للأولاد الذين صاموا لأول مرة بمناسبة عيدهم الأول بعد بلوغهم، وإن كان ليس عاما كالعادتين السابقتين.
وأول ما يُجعل لتزيين الأولاد هو الحناء فالبنات على العموم تزين أيديهن الحناء، أما البنون الذين دون البلوغ فإنهم يجعلون لهم الحناء في نصف يدهم اليمنى، أما الأبناء الصغار الذين لازالوا لم يختنوا فغالبا ما يجعلون لهم الحناء في اليد اليمنى واليسرى وفي كل اليد لا نصفها كما هو الحال في السابقتين.
وعند طلوع الشمس وبعد تناول الفطور تبدأ الأمهات بلبس الملابس الجديدة لكل الأولاد، ويتزين كل أفراد العائلة كبيرا وصغيرا ثم ينقسمون، أما غير البالغين فيذهبون إلى باب المسجد ينتظرون المؤذن ليخلفوا مكانه في الصومعة بعد أن يؤذن للصلاة كما سيأتي الكلام، وأما البنات فيزرن أقاربهن من الجدات إلى العمات والخالات، وأما الرجال فيذهبون عند سماع الأذان إلى المسجد حين يتجمع كل سكان البلدة، أما الأمهات فيمكثن في الدور لتلقي الزيارات.
أما البنات البالغات فيذهبن لزيارة زميلاتهن اللاتي تزوجن في تلك السنة، ومن البديهي أن الزيارات فيها تبادل التهاني وأقل ما يقوم به الزائر التمر والحليب، والتعطير بأنواع الطيب، وقد يفرح الأولاد الصغار بالدراهم أو الحلوى، وتعد في كل دار مائدة فاخرة لمن قد يزور الأمهات من ذوي محارمهم أو أصهارهم، ومن أحسن السنن المتبعة عندنا أن الرجال بعد أن يفترقوا ويخرجوا من المسجد يذهبون لزيارة ذوات محارمهم ولو دونهم في السن، فيذهبون أولا إلى من هو أكبر منهم يتتبعون أقاربهم من بناتهم المتحجبات وحفيداتهم إن كانت لهم حفيدات، وغالبا ما يتجمع الأقارب من الرجال عند باب المسجد ليذهبوا معا إلى ذات محرم کبیر يهنؤوها بالعيد، وقد يجدون عندها بعض ذوي محارمها ممن كانوا يعرفونهم قبل، وفي هذا ما فيه من التعارف بين الأقارب والأرحام ولا يأخذون معهم هدية بل قد يدعون إلى أكل فطور أو تمر أو حليب أو كأس شاي، ثم يخرجون ويتتبعون جميع قريباتهم كما ذكرنا.
لقد أحدث عزابة "آت ايزجن" مؤخرا بعد دراسة شكاوى عدة وصلتهم من الناس، اتفاقا يقضي بأن لا يضع ربّ البيت لمن يقصد داره للزيارة يوم العيد غير التمر والحليب، وذلك في اليوم الاول والثاني من العيد، لأن الناس صارت تبالغ وتسرف في تزيين موائدها للضيوف، حتى صار الفقير من الناس يجد عنتا كبيرا وحرجا عندما يقدم التمر واللبن وهو لا يستطيع اقتناء الفواكه المتنوعة والحلويات الكثيرة.
وقبل أن نذكر التقاليد المتبعة في المساجد يوم العيد أتعرض لعادة موجودة عندنا في العطف
ولا أظن أنها موجودة في غيرها من قرى الوادي وهي أن الأولاد غير البالغين - الذين لم يبدؤوا الصلاة - يُؤْذن لهم بعد أن ينزل المؤذن من الصومعة وأن يدعو الناس للصلاة فيصعد هؤلاء الأبناء إلى أعلى الصومعة ويشرعون بالنداء الأخير الذي يؤذِّن به المؤذن باللغة البربرية يكررونه لمدة ساعة على التقريب، يؤذن المؤذن في أول الأمر بالتسبيح سبع مرات ثم يقول "وَغَا نْ زَّالْ اَضْزاَلِّيتْ" ثلاث مرات، فإذا نزل صعد الأبناء ورددوا ما قال بالمزابية، وقد سألنا عن أصل هذه العادة فقيل لنا أن قصر "أو خيرة" قد خرب في يوم عيد بل في وقت الصلاة بالذات، ومنذ ذلك الحين اقتضت الحكمة أو الاستراتيجية على حد التعبير الحديث أن يصعد الأبناء في الصومعة ليظن المتربصون إذا ما وجدوا في مكان ما يتحينون الفرصة السانحة أن الناس لم يجتمعوا بعد لأداء سنة العيد فيبقون في الانتظار حتى إذا ما انصرفت الناس من الصلاة أنزلوا الصبيان من الصومعة، وحينئذ يعتقد كل من كان يرقب الحركة أن الناس قد بدؤوا الصلاة بعد سکوت الصبيان وإذا هجموا وجدوا أنفسهم أمام من يدافع عن البلدة، هكذا رويناها والله أعلم بالحقيقة، وعلى كل
فإن إيرادها بكل أمانة قد يفتح بابا من البحث الموضوعي لمن أراد...
وبقيت نكتة واحدة نريد أن نزيدها توضيحا وهي لماذا اختاروا الصبيان غير البالغين والجواب سهل بسيط، وذلك لأنهم غير مكلفين بالصلاة ولا ضرر منهم إذا ما أطلُّوا من الصومعة على سطوح الناس.
ولنعد إلى ذكر ما يقع عادة في المساجد، بعد النداء إلى الصلاة يتوافد الناس على المسجد ويبدأ الشيخ بإلقاء درس مركز قد يتجاوز الساعة في الوعظ والتوجيه،
ثم تجمع التبرعات لمصالح المسجد ومصاريفه كالماء وتسخينه والكهرباء، وقد ترتفع الأرقام إذا ما كان هناك مشروع بناء أو توسيع، ويبذل الناس بأريحية نادرة المثال، ثم تقام الصلاة وبعد الخطبة تقرأ سورة من سور القرآن يدعو إثرها سبعة من العزابة واحد بعد واحد والناس يؤمنون ثم يقوم الناس لتهنئة العزابة الذين يقفون في الصف الأول متجهين إلى الناس، وكلما انتهى من تهنئة العزابة شخص يقف فيكون الصف ثم يتابع الناس حتى يهنئ بعضهم بعضا جميعا مقدمين العزابة ثم إروان ثم المسنين فالکهول والشباب،
وبعد أن تنتهي العملية يتفرق الناس ويذهبون لتهنئة ذوات محارمهم في بيوتهم كما سبق ذكره، وفي العشية يجتمع الناس لزيارة المقبرة، يقفون على قبور المشايخ والعلماء وعلى والديهم أو يذهبون جماعة واحدة في الغالب، وقد ينقسمون إلى جماعات، ولكن المهم أنهم يزورون الأموات كما يزورون الأحياء من المرضى والعجزة، هذا بالنسبة للقرى التي ما يزال الناس فيها يصلون في المساجد، أما في المدن التي تطبق السنة وهي الخروج إلى المصلى فإن الناس يخرجون بعد الاكتتاب من المسجد إلى المصلى وهم يكبرون ويهللون. والاكتتاب هو أن يقيد شخص اسمه في دفتر المسجد بأن يدفع كذا وكذا في مشروع بناء أو توسعة أو غيره، فإذا وصلوا المصلى وأدوا صلاة العيد وقفوا هنالك للتهنئة، وفي العطف حيث يوجد مسجدان بعد أداء الصلوات يأتي عمار مسجد أبي سالم إلى المسجد العتيق أو الجامع فيجتمعون هناك ويهنئ بعضهم بعضا على الطريقة التي مر ذكرها، وكل هذه المراسيم تقع في عيد الفطر بشكل واسع ودقيق ويحضر كل الناس، أما في عيد الأضحى فإن الناس يخرجون بعد الخطبة مباشرة وذلك لذبح أضحياتهم ولا يبقى لمراسيم التهاني إلا من كفيت مؤونته في القيام بهذه الشعيرة.
-بتصرف-
المصدر: كتاب الشيخ القرادي –رسالة في بعض أعراف وعادات واد مزاب- ص133-137.
شاركنا بتعليقك