إسهامات

عندما وصل الاستعمار الفرنسي إلى الأغواط عام 1853م /1270ه بادر الإباضية إلى إمضاء معاهدة حماية معه لئلا يتدخل في الشؤون الداخلية لبني مزاب في منطقة غرداية، ولكنه بعد 29 عاما نقض العهد فضم منطقة غرداية إلى الأراضي الجزائرية المحتلة عام 1882م /1300ه.. فأعلن المشائخ والأعيان في لقاءاتهم مع الشعب المقاطعة الشاملة على المنتوجات الفرنسية من مختلف الأنواع فأصيبت بنكسة اقتصادية في المنطقة، وعندما أصبحت مامه بنت سليمان رئيسة حلقة (المرشدات) بغرداية سنة 1906م أعلنت مواصلة المقاطعة السلبية في إحدى مؤتمرات "لا إله إلا الله" السنوية للنساء، وحمست الجماهير في ذلك، وعقوبة كل من خالف الإجماع هو إعلان "البراءة والهجران" ضده سواء من الرجال أو النساء، فعمر الإضراب أكثر من 30 عاما وترك أثرا إيجابيا على المؤمنين بالفكرة، وهنا بحث المستعمر عن أسباب تدهوره الاقتصادي في المنطقة فوجد السبب الرئيسي هو الإضراب الذي أعلنته هذه المرأة العظيمة وحزمها في المتابعة الميدانية لتطبيقه في الواقع، وهنا قرر المستعمر كتابة تاريخ هذه المرأة المثالية من خلال البحث عن حياة الأنثى في ميزاب فكلفوا بذلك الكاتبة البلجيكية "قواشون" أن تقوم بمهمة البحث فكتبت كتابها: الحياة الأنثوية في مزاب في جزئين بعد أن زارت المنطقة عام 1927م وعقدت لقاء مع مامه بنت سليمان في مدرستها ووصفتها وصفا دقيقا في جميع وظائفها ومواقفها الخالدة.

أنظر أيها القارئ العزيز كيف يكافئ الله عباده المخلصين له الدين بالحسنى حيث قيض الله لها من عدوها الألد من يكتب لها تاريخها ليخلد ذكرها مع القوم الصالحين، وإذا أراد الله شيئا هيأ له أسبابه ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ البقرة: 212.

وهكذا نجح إضرابها نجاحا باهرا، فإلى عهد قريب كان اللباس الأوروبي ومأكولاته ومغرياته كلها مرفوضة يتدرب على ذلك الطفل منذ نعومة أظفاره من أمه الطاهرة حتى تتكون لديه عقدة ضدها فيرميها ويبتعد عنها، وبمثل هذه التحذيرات والتنفيرات لم يتمكن التبشير من نشب مخالبه في المنطقة وصيد أبنائها إلى التنصير.

المصدر: كتاب مسلمات صالحات في روضة الايمان، بكير بن سعيد أعوشت وأحمد بن حمو كروم، ص 95-96.

شاركنا بتعليقك