إسهامات

مفاهيم كثيرة متداولة على ألسنة الناس في الساحة الثقافية والفنية، لا أجدها متناسبة مع واقع الحال ومعظمها أرى فيها إجحافا قد يؤثر سلبا على المنتج الثقافي والفني في تجلياته وأهدافه.

ومن هذه المفاهيم مفهوم «النخبة»... وبعيدا عن التفسيرات اللغوية للمفردة... فإننا سنبحث في مدلولها الشائع لدى المثقفين، وما تعنيه من فكرة يشتم- للأسف- فيها رائحة العنصرية والانعزال التام عمن يطلقون عليهم في المقابل «العامة»، وهم كما تسوّل لهم قناعاتهم ... هؤلاء الذين لا يتعاطون مع الثقافة أو أنهم البشر الذين يمثلون سواد المجتمع من عمال وموظفين وأطباء ومهندسين وغير ذلك من المهن والتخصصات، إلا أنهم لا يكتبون مثلا الشعر أو الرواية أو القصة، ولا يصدرون الكتب، ولا يهتمون بحضور الندوات وغيرها.

وستجد أن مفردة «النخبة» تطغى بشكل أو بآخر على أفكار الشريحة التي يطلقون على أنفسهم المثقفين، وهو ادعاء أيضا يدخل في حيز العنصرية، وكأن بقية أفراد المجتمع وهم الأكثرية غير مثقفة، مع العلم بأن الثقافة لا تحددها تخصصات، ولا تقف عند مساحة فكرية معينة، فقد تجد عاملا بسيطا إلا أنه أكثر ثقافة ممن يقول عن نفسه أنه مفكر، فهذا العامل يفهم الحياة، ويتعامل مع الناس باحترام، ويقدر المواقف الإنسانية، ويسعى في الأرض إصلاحا وتسامحا، والمفكر الذي ينتج الكتب التي- ربما- لا تمثل شخصيته الحقيقية، البعيدة عن روح الحياة، ليس مطلوبا أن ندرجه ضمن «النخبة«.

وإذا كانت اللغة تفسر معنى «النخبة» بأنها المختار من كل شيء، أو الذين لديهم مؤهلات محددة جعلته الأفضل في مجتمعاتهم، ولكن الذي أود طرحه: من هو الأفضل للمجتمع كي نضعه في صحبة النخبة، هذا الذي يتقن فنون الكتابة والأدب ويجهل فنون الحياة، أم الذي يتقن فنون الحياة ويجهل الأدب، أم الذي يتقن الاثنين معا؟

صراحة أنا لا أجد أي مبرر في أن نخرج من يتقن فنون الحياة ويجهل الكتابة والأدب، من صحبة النخبة، ولصق هذه الصفة على الأدباء والمفكرين دون سواهم من البشر، فكل إنسان هو من النخبة في مجال حياته، فالطبيب من النخبة إذا كان متقنا عمله ويتعامل برحمة مع مرضاه، والمهندس من النخبة طالما أنه متفان في عمله، وهكذا، فمسألة أن يكرر الذين ينتمون لحقول الثقافة والكتابة والفكر بأنهم من النخبة، تدخل في مجال العنصرية، والرغبة في الانعزال عن المجتمع الكبير المحيط بهم، وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، التي جعلتهم من النخبة، والتفرد بصفة، من الممكن أن تطلق على أي فرد في المجتمع لديه دراية كافية بالحياة.

ففي حقيقة الأمر لا تريحني مفاهيم تستخدمها فئة من المجتمع دون سواها مثل النخبة والمثقف والمفكر والمبدع... لأنها صفات لا يقتصر وجودها على فئة معينة، فهي تضم أيضا فئات إنسانية أخرى عاملة وفاعلة في المجتمع، ولكنها تعمل في صمت ولا تفكر في أن تحصل على الألقاب التي تضخم قشرتها، ولا تؤثر على لبها الداخلي المفيد. وأرى أنه من الأفضل أن نقلل من هذه المفردات ولا نجعلها حكراً على فئة بعينها، ولا ننكرها على الآخرين فهي من حقوقهم، طالما أن لهم دوراً بناء في مجتمعاتهم.

المصدر: مقال بعنوان النخبة..  والعامة في موقع الراي

شاركنا بتعليقك