"العلم يأتي بصلاح النية وتعظيم العلم ثم بالاجتهاد"
النشأة والدراسة
ولد الشيخ عبد الرحمن بن عمار بعموري سنة 1958 بمدينة عين امقل على بعد 130 كلم من عاصمة الولاية تمنراست، وهو ثالث إخوته.
نشأ وترعرع في ظروف قاسية غلب عليها الفقر، فكانت والدته تشتغل بالرعي، ووالده بالزراعة وشيء من التجارة لتحصيل قوت الأهل، في عمر لا يتجاوز ثلاث سنوات كان يتردّد على مدرسة قرآنية لم تكن سوى كوخ آنذاك، وكان إذا مُنِع بكى مصرّا على الذهاب لتلقّي العلم.
امتاز الشيخ بعموري منذ نعومة أظفاره بذكاء وقّاد وحافظة قويّة، فلمّا كان على عتبات السنة السابعة من عمره بدأ في التّفرّغ لحفظ كتاب الله تعالى على يد الشيخ "بن عمر أبودى" المعروف في عين امقل بالطّالب، وكان في فترة الرّاحة بين أوقات الدراسة يذهب للرّعي عند الأودية القريبة إلى وقت الظهر، ثم يعود بعد ذلك لمواصلة التعلم والحفظ، وفي سنة 1968 قرّر والده نقل تجارته إلى تمنراست فارتحلوا إليها.
في تمنراست دخل الطالب المجِدّ عبد الرحمن المدرسة القرآنية وعمره عشر سنوات، فكان المغفور له الشيخ "محمد الناجم حادقي" نعم الأستاذ في كلا المدرستين: الرسمية بمدرسة العقيد شابو؛ والقرآنية بالمسجد العتيق.
كان الطّالب عبد الرحمن يأتي إلى المدرسة القرآنية البعيدة عن مسكنه عند آذان الفجر ويفتح أبوابها بنفسه، وبعد خروجه كان يتوجه مباشرة إلى المدرسة التربوية دون العودة إلى منزله في حي "قطع الواد".
ظهر نبوغه واجتهاده في أول مرة ذهب فيها إلى المدرسة التربوية، حيث امتحنه أستاذه في القراءة والكتابة فوجده متقنا لهما، عندها تمّ نقله مباشرة إلى قسم السنة الثالثة بإيعاز من المدير، فواصل فيها نهجه الدّراسي النبيل حتى مستوى الثانية متوسط.
في حدود سنة 1973 أنهى الطالب عبد الرحمن الختمة الأولى من القرآن على يد شيخه "محمد الناجم" رحمه الله، بعد ذلك جاء إلى تمنراست العلامة، المغفور له "محمد أحمد عزي عبد الصادق" (المتوفى سنة 2011) ليخلف "الشيخ الناجم"، فواصل عبد الرحمن ما يسمى عُرفا "السّلكة الثانية" على يديه المباركتين في مدة تقارب السنة، فكان يخصّه بكتابة القرآن إملاءً ويمنعه من نقله من المصحف حتى يستوعب النطق الصحيح للآيات، وقد عوّده على مراجعة قسط القرآن الأسبوعي في جلسة يوم الأربعاء، وكان رحمه الله يوليه اهتماما فريدا، وحبا شديدا، حتى أنه كان يبعث إليه بعد ذلك برسائل تضم جواهر من النصح.
كان أبوه شديد الحرص عليه، فكان يتابعه في شهود صلاة الجماعة بالمسجد العتيق وصلاة التراويح والجلوس في حلق العلم وحضور القسط الراتب من القرآن يوميا، فكان يخرج من المنزل ظهرا ولا يعود إليه إلا بعد صلاة العشاء لبعد الطريق.
كان طلبة "الشيخ بلّكبير" في أدرار –رحمة الله عليه- يذهبون أيام عطلتهم إلى تمنراست، وفي رمضان من سنة 1975 التقى بهم الطالب النجيب عبد الرحمن وتحاور معهم، فانبهر بتمكُّنِهم في الإفتاء من متن "المرشد المعين" وهم طلبة صغار، فأخبر والده بعزمه على ترك المدرسة والالتحاق بكوكبة طلبة الشيخ بلّكبير، أملا في أن يقتبس من أنوار الشيخ الربّاني، فأجابه أبوه بأن حلقات الشيخ عالية المستوى وقد لا يقبل انضمامه إليها، لكنّ الطالب عبد الرحمن أصرّ على الذهاب، فأشار عليه والده أن يراسل الشيخ، ونظرا لبعد المسافة وصعوبة طرق التواصل
لمّا أذِن رمضان بالرحيل أعدّ الوالد العُدّة وسافر وابنه عبد الرحمن إلى أدرار لِيَصلاها بعد أسبوع من التنقّل المُضني على متن شاحنة، ولمّا دخلوا على الشيخ بلّكبير بادئ الأمر رفض قبول عبد الرحمن لعدم وجود مكان شاغر، فأراد الوالد الرجوع إلى تمنراست لكن عبد الرحمن أصرّ على أن لا يغادر أدرار على طريقة "فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي الشيخ أو يحكم الله لي"، وفي الغد ناداه "الشيخ بلّكبير" واختبره بالفاتحة والبقرة فوجده حافظا، ثم بعثه إلى الشيخ "عبد الكريم مخلوفي" مدرّس القرآن، فأنهى على يده حفظ كتاب الله ودراسة العقيدة وبعض المتون "كالمرشد المعين" و"العبقري" في خلال سنتين، ثم عاد إلى "الشيخ بلّكبير" لينتقل إلى العلوم الأخرى، فأكمل "الرسالة لأبي زيد القيرواني" في العقيدة والفقه والأدب في حدود أربعة أشهر حفظاً وشرحًا، ثم انتقل إلى "الأجرومية"، "مُلحة الإعراب" و"ألفية ابن مالك".
وكان الطالب عبد الرحمن يحبّ خدمة شيخه والقيام بشؤونه، فبعد إتمام الحفظ؛ يساعد العمال في بناء بيت الشيخ وتسيير مخبزة الطلبة، وكان الشيخ يقرّبه إليه من بين طلبته ويأتمِنه على بعض أسراره ومواقفه الخاصة. كان الطالب عبد الرحمن في هذه الفترة يترأس أحيانا بعض الحلقات يدرّس فيها الطلبة بعض المتون الخفيفة.
في سنة 1979 تقلّد الشاب عبد الرحمن تاج الرجولة بعقد قِرَانه البهيج، ومكث مع أهله شهرا ليفارقهم بعدها سنةً ونصفًا إلى طلب العلم.
وفي سنة 1980 اقترح عليه الشيخ بلّكبير الانتقال إلى المعهد الإسلامي، لكن عبد الرحمن فوجئ بالأمر ولم يشأ مفارقته لأن تلك المدة التي قضاها في كنف العلامة الجليل غير كافية بالنسبة إليه، ولا يزال ينتظره الكثير ليغترفه من البحر وأنّى له أن يحوي كلّ ما عنده، فالتمس الأعذار علّها تجدي نفعا، لكن الشيخ طلب منه أن يذهب إلى الشيخ سالم بن إبراهيم ناظر الشؤون الدينية لترتيب الأمور، فبُعث إلى مدينة بسكرة لاجتياز امتحان القبول وعاد بعد ذلك إلى أدرار ليمكث مع "الشيخ بلّكبير " أسبوعا وقد اعتراه الاشتياق، وما احتمل مرارة الفراق.
وفي سنة 1981 انتقل إلى المعهد الإسلامي ودرس فيه مدة سنتين، وكان والده في تلك الفترة قد تعهّد بكل نفقاته ليكرس جهوده لطلب العلم. وانتقل إلى قرية إيدلس وتفرّغ فيها للعلم مدة شهرين.
في سنة 1984 افتتح مسجد الرحمة فطُلِب فيه إمامًا ومدرّسَ حلقات، ثم افْتَتح قِسما للقرآن يعلّم فيه يوميا عدا الخميس والجمعة، بعد صلاة الصبح إلى الحادية عشر صباحا، ثم من الظهر إلى صلاة المغرب مساء، بعد ذلك يجلس إلى قراءة الحزب الراتب من القرآن، ثم يباشر حلقة التدريس إلى صلاة العشاء، ورابَطَ في هذه المهمّة إلى عام 1999 خرّج فيها الكثير من الحافظين والحافظات منهم أيمة ومعلمات قرآن.
"جمع طلبة مختلفين في حلقة علم واحدة، يصلح ما كان بين قبائلهم من شنآن"
الوظائف والمهام التي مارسها الشيخ عبد الرحمن:
من الشخصيات التي أثرت فيه:
الطلبة المتخرجون على يديه:
أكثر من 20 إماما وقاضيا ومعلما داخل الولاية وخارجها، بالإضافة إلى الذين احترفوا التجارة وآخرون في سلك الأمن والجيش، وكان الفضل في ذلك لله أوّلا وللأساتذة الذين فرّغوا وقتهم لمساعدة الشيخ في أداء رسالته النبيلة.
"بالإخلاص تنطلق انطلاقة عجيبة قد تنكرها قوانين البشر"
الأسفار والرحلات
أقوال الشيخ وحكمه
-بتصرف-
المصدر: موقع مؤسسة وسام العالم الجزائري.
شاركنا بتعليقك