يتجلى إتقان صنع ربّنا في كل شيء في هذا الوجود، فلا فلتة ولا مصادفة ولا ثغرة ولا نقص، ولا تفاوت ولا نسيان، ويتدبر المتدبر كل آثار الصنعة المعجزة، فلا يعثر على خلة واحدة متروكة بلا تقدير ولا حساب، في الصغير والكبير، والجليل والحقير، فكل شيء بتدبير وتقدير، يقول تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ النمل: 88.
الاتقان هو مضاعفة الجهد والبذل من أجل إخراج العمل على الوجه الأكمل وطبقا للنموذج الأمثل، عن عمرو بن سعيد بن العاص أنه قال: كنت عند عثان فدعا بطهور فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله".
وهذه أعلى درجات الإتقان وهي إتقان العبادة، لاسيما إن كانت هذه العبادة هي الصلاة، فليس من الفطنة الإسراع فيها بدءا من الوضوء، فلا يغسل الوجه كاملا ولا يصل الماء إلى جميع الأعضاء، ثم يكون الإسراع في الركوع وفي السجود، فلا يصحب الصلاة خشوع وهو المظهر المرجو من الصلاة والذي ينتج عنه الشعور النفسي بالراحة.
وعن شداد بن أوس رحمه الله، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته".
والإحسان هو إتقان العمل وأداؤه على الوجه الأكمل، ولو كان هذا العمل هو ما يقوم به الجزار من ذبح الحيوانات، فينبغي عليه أن يحد شفرة السكين فلا يضرب الحيوان المراد، ذبحه وكذا لا يظهر السكين أمام الحيوان، ويجتنب المحاذير ليتحرى صلاح عمله هذا.
عن حذيفة أنه قال قال رسول الله ﷺ: "لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا".
فالمسلم يتقن عمله مهما أساء الناس ولا تكون إساءتهم حجة لغيرهم في التفريط وعدم الإتقان، فكل محاسب على عمله منفردا، وليس من حقه الادعاء بأنه أساء وظلم ولم يحسن لأن غيره أساء ولم يحسن.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".
وتحسين الصلاة مثلا وإتقان أدائها ومراجعة الإنسان نفسه في ذلك يعود بالفائدة عليه من أداء الصلاة بهذا الإتقان؛ إذ لا تتم فائدتها المرجوة إلا بالهدوء وعدم التسرع، وتقييم طريقة أدائه للصلاة ومدى الإتقان فيها.
فهي إذن مسألة ترتبط بحب الله تعالى وهو ما ينبه إلى أهمية أداء العمل على خير وجه.
مبادئ عامة:
المظاهر:
الفوائد:
توجيه عملي:
-بتصرف-
المصدر: كتاب موسوعة القيم الجزء الأول، محمد سعيد مرسي، صفحة 28-31.
شاركنا بتعليقك