إسهامات

كثيرون قالوا لا تحزن وكثيرون كتبوا وغردوا حول هذا المعنى ربما دفعتهم إلى ذلك، خبراتهم المكتسبة بفعل وقائع حياتية جلبت عليهم أحزاناً وأوجاعا، دفعتهم تلك الخبرات إلى ترديد هذه الجملة لغيرهم، ومن بعد أن تيقنوا تمام اليقين بأن الحزن إن طال وتجاوز حده، انقلب للضد ولم يعد له معنى أو مبرر لاستمراره أو هكذا ينظر كثيرون للأمر.

لماذا يقولون لا تحزن ولماذا أقول لا تحزن ولماذا تقول أنت كذلك لغيرك، وربما بالغد سيقول ويردد غيرنا العبارة ذاتها؟،إليك الإجابة باختصار شديد.

إن جلست تحزن على الماضي فلن تعيده أبداً لماذا؟ لأنه حدثٌ وقع وانتهى وإن جلست تحمل هم الغد وتحزن بسبب ذاك الهم، فلن تقدر على منع ما هو قادم بالغد أو تغييره لماذا مرة أخرى؟.

لأنك لا تدري كنهه أو ما هو هذا الشيء القادم حتى تتخذ العدة اللازمة لمواجهته.

من هنا، يمكن أن نرى بأن الطريقة الناجعة الناجحة، وأكيدة المفعول والأثر للتعامل مع الأحزان على الماضي أو التخلص من حمل هموم المستقبل، إنما تكمن عبر الإيمان الراسخ الجازم في القلب والذي بسببه لا يتزعزع هو ذاك الذي نسميه الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن ما نكرهه قد يكون خيراً لنا، وأن ما نحبه ونرغبه قد يكون شراً مستطيراً، والله يعلم ونحن لا نعلم.

عبر هذا الفهم الواضح الجلي، لن تجد أحدنا سيعيش ذاك النوع من الأحزان المقْعِدة عن العمل، والمعطلة عن كل ما هو نافع ومفيد ولن تجد أحدنا سيحمل همّ ما قد سيكون بعد لحظات من وقته الحاضر إن ذاك الفهم للحياة وأحداثها وطبيعتها، يقودنا إلى الاستمتاع الحقيقي بها، وبحسب ما أمرنا ربنا لن نجزع ولن نحزن على أمر مضى، ولن نقلق على أمر ما زال في علم الغيب قائماً، لم يتلق الأوامر بعد للنزول إلى الأرض وواقع الحياة الدنيا.

لا أقول بالتوقف عن الأحزان أو عدم التفكير في المستقبل، لا يمكننا القيام بذلك لأننا بشر أصحاب مشاعر وخواطر، نحزن ونقلق ومعاكسة ذلك الأمر إنما معاكسة للفطرة الإنسانية، ولكن إن جئنا نتفاعل مع حدث ما ونحزن، فلابد أن يتم في حدود المعقول، لأن كتم الحزن لا نفع من ورائه، وقد يؤدي إلى ما هو أسوأ، وبالمثل سيؤدي الابتعاد عن القلق الإيجابي بخصوص المستقبل، إلى البلادة وفقدان الإحساس بأهمية إدارة الحياة، وهذه مشكلة أكبر من أختها السابقة.

خلاصة القول أن الحياة تستحق أن نعيشها بالقلب والعقل معاً، لا يجب أن يطغى أحدهما على الآخر، فلا إفراط أو تفريط.

النبي الكريم ﷺ، ذكّرنا بقوله الشريف: "من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا، حاول أن تتأمل هذا الحديث بعمق شديد، كي لا تحزن على ما فات ولا تحمل هم ما هو آت".

المصدر: مدونات الجزيرة

شاركنا بتعليقك